
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
منذ أن استولى الإسلامويون على زمام الخطاب السياسي في السودان، ظلوا يكررون سردية الجيش حامي الوطن وكأنها مسلمة لا تقبل النقاش. لكن قراءة متأنية للتاريخ تكشف أن هذه السردية لم تكن إلا ورقة يستخدمونها وقتما اقتضت مصلحتهم، ويقلبونها رأسًا على عقب عندما تعترض مشروعهم للسلطة. النموذج الأوضح على ذلك هو أحداث الثاني من يوليو 1976، التي سُمّيت وقتها “غزو المرتزقة”، عندما تحولت الجبهة القومية الإسلامية وحلفاؤها إلى أعداء مباشرِين للجيش السوداني.
تصريح قائد الجيش ورئيس الجمهورية
قال المشير جعفر النميري، قائد الجيش ورئيس الجمهورية عن تلك الأحداث،
“لقد تعرضت البلاد لعدوان من المرتزقة المدعومين من الخارج، وكان الهدف هو تغيير النظام بالقوة. لكن القوات المسلحة السودانية، بقيادة ضباطها المخلصين، تصدت لهذا العدوان بكل شجاعة، وأعادت الأمن والاستقرار إلى العاصمة الخرطوم.”
هذا التصريح يعكس موقف النميري من محاولة الانقلاب، حيث وصفها بأنها “عدوان من المرتزقة المدعومين من الخارج”، مؤكدًا على دور القوات المسلحة في التصدي لهذا العدوان واستعادة النظام.
معركة دار الهاتف ومقتل الشلالي
في تلك الأيام الدامية، اندلعت واحدة من أعنف المواجهات داخل الخرطوم، عُرفت لاحقًا بـ “معركة دار الهاتف”. هناك قُتل اللواء محمد أحمد الشلالي، أحد أبرز ضباط الجيش، برصاصات قيل إن من أطلقها هو القيادي الإسلامي إبراهيم السنوسي. وسقط في المعركة أيضًا عبد الإله خوجلي، شقيق الصحفي الإسلامي المعروف حسين خوجلي. ولعل المفارقة أن هؤلاء الذين قدموا أنفسهم لاحقًا حماةً للعقيدة والوطن، كانوا يومها في خندق واحد مع المرتزقة ضد جيش بلادهم.
الأسماء التي صنعت الغزو
لم تكن تلك الحركة عفوية ولا محض مغامرة؛ فقد شارك فيها قيادات إسلامية بارزة منهم غازي صلاح الدين العتباني، إبراهيم السنوسي، وآخرون من الصف الأول للجبهة القومية الإسلامية. كان الهدف واضحًا، إسقاط حكم نميري عبر الانقلاب على الجيش الذي يفترض أنهم اليوم يتبنون سردية حمايته.
من أين جاء الجنود؟
كشفت الوثائق والشهادات أن المقاتلين لم يكونوا جميعًا سودانيين. بل جرى حشد أعداد كبيرة من المرتزقة من ليبيا وتشاد والمغرب، عبر تمويل مباشر من نظام معمر القذافي. طائرات ليبية نقلتهم إلى الحدود، ومن هناك تسللوا إلى داخل السودان. بعض الشهادات الغربية وقتها، مثل تقارير التايمز البريطانية ولوموند الفرنسية, وصفت ما حدث بأنه “غزو خارجي بقفازات محلية”.
التمويل والتخطيط
الدعم اللوجستي جاء من ليبيا، بينما وفّر الإسلامويون شبكة التنسيق الداخلي. السلاح دُخل عبر الصحراء الليبية، والمال تدفق بلا حدود لإنجاح العملية. وهكذا تحولت الخرطوم إلى ساحة مواجهة بين جيش وطني يدافع عن نفسه، ومجموعة ترى في أي تحالف خارجي وسيلة مشروعة للوصول إلى السلطة.
ازدواجية المعايير
كيف يمكن لجماعة حاربت الجيش في 1976 أن تعود لاحقًا لتصوغ خطابًا يعتبر الجيش حامي الوطن؟ هنا تتجلى البراغماتية العارية: الجيش عندهم ليس مؤسسة وطنية، بل مجرد أداة، إن عرقل مشروعهم حاربوه، وإن خدم مصالحهم امتطوه. وكأن الوطن ليس إلا خشبة مسرح لتقلباتهم.
شواهد من التاريخ
قال ونستون تشرشل، “أعظم خطر على الجيوش ليس العدو الخارجي، بل الخيانة من الداخل.”
وكتب ابن خلدون، “الملك لا يقوم إلا بالعصبية، فإذا تفرقت عصبيته ضاع ملكه.”
وما فعله الإسلامويون في 1976 كان خيانة داخلية بامتياز، وتحالفًا مع الخارج ضد جيش بلدهم.
مقارنة مع حروب لاحقة
هذه الذهنية لم تتغير. ففي محطات مختلفة من تاريخ السودان، ظل الإسلامويون يتقافزون بين المواقف: مرة مع الجيش ومرة ضده، دائمًا وفق ما تمليه مصلحتهم. هذا النمط المتكرر يثبت أن خطاب حماية الجيش لم يكن يومًا عن الجيش، بل عن السلطة.
متى ينهض الجيش؟
يبقى السؤال الجوهري: متى ينهض الجيش السوداني وينفض عن ظهره تلك الملة التي تمتطيه تارة وتحاربه تارة أخرى؟ ومتى يعي أن صموده مرهون بقطع أواصره مع البراغماتيين الذين لا يرون فيه إلا سلّمًا؟
وأين الشعب؟
والشعب السوداني، أين يقف في هذه المعادلة؟ إن دوره ليس التفرج، بل أن يكون هو السند الحقيقي لجيشه، حتى لا يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتجارب الإسلامويين وتحالفاتهم الخارجية. فكما قال نيلسون مانديلا، “الشعوب وحدها هي التي تحرر نفسها، والجيش إن لم يكن جيش الشعب فإنه يصبح سيفًا مسلطًا عليه.”
وما من مستقبل يُكتب للسودان إلا بتحالف جديد بين جيش قومي وشعب واعٍ، تحالف يقطع الطريق على كل من يريد إعادة تدوير براغماتية الإسلامويين، ويعيد للوطن توازنه،
أصدق ما قاله البرهان، “هذه الحرب عبثية وقد آن الأوان لإيقاف هذا العبث.”




