
حنفي حمدان (عسال)
لا تُقاس الثورات الحقيقية بما تحققه في أوقات الاستقرار، وإنما تُعرف قيمتها الحقيقية في لحظات الشدة والاختبار، حين تتعاظم التحديات وتتسع دائرة التضحيات. ومنذ اندلاع ثورة الخامس عشر من أبريل، ظل أبناء وبنات السودان يقدمون نماذج نادرة من الصمود والفداء، حيث ارتقى الشهداء وهم يحملون إيماناً راسخاً بعدالة القضية وضرورة المضي في طريق التحرر حتى تحقيق أهدافه الوطنية الكبرى.
لقد أثبتت هذه الثورة أن الإرادة الشعبية لا تُهزم، وأن الشعوب التي تناضل من أجل مستقبلها قادرة على تجاوز المحن والانتصار على مشاريع الهيمنة والإقصاء مهما بلغت التضحيات. فالثورات العظيمة لا تستمد قوتها من الأفراد، بل من المبادئ التي تنهض عليها، ومن الجماهير التي تؤمن برسالتها وتتمسك بأهدافها.
إن تمسكنا بخيار الثورة والتحول التاريخي ليس رهيناً بأسماء أو قيادات بعينها، بل هو التزام أخلاقي وسياسي تجاه وطن يستحق مستقبلاً أفضل. فالمعارك الوطنية الكبرى لا تتوقف عند حدود الأشخاص، وإنما تستمر بقوة الفكرة وعدالة المشروع. ومن هذا المنطلق، فإن مشروع السودان الجديد يظل قائماً بوصفه مشروعاً وطنياً يسعى إلى تأسيس دولة المواطنة المتساوية والعدالة والكرامة الإنسانية، دولة تعترف بتنوع شعبها وتمنح جميع أبنائها وبناتها حقوقاً متساوية دون تمييز أو إقصاء.
لقد ظلت الدولة السودانية لعقود طويلة أسيرة اختلالات بنيوية عميقة أنتجت التهميش وعدم المساواة وأضعفت فرص بناء دولة مستقرة وعادلة، الأمر الذي يستوجب مراجعة شاملة للتجربة الوطنية وبناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة ديمقراطية حديثة تستوعب الجميع وتفتح آفاق المستقبل أمام الأجيال القادمة.
إن الثورة التي تنبع من معاناة الشعوب لا تتوقف برحيل الأفراد، بل تستمد بقاءها من قوة الفكرة وعمق الإيمان بعدالة القضية. ولهذا فإن الذين اختاروا طريق النضال يدركون أن المناصب والمكاسب الزائلة لا تمثل هدفاً في حد ذاتها، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء وطن مستقر تسوده العدالة وسيادة القانون، وطن يستطيع مواطنوه العيش فيه بحرية وكرامة وسلام.
إن المعركة التي يخوضها السودانيون اليوم ليست مجرد صراع سياسي عابر، بل هي معركة وعي ومصير ومستقبل، تهدف إلى تحرير الدولة من إرث الاستبداد والهيمنة الذي أعاق تطورها وأدخلها في دوامات متواصلة من الحروب والأزمات والانقسامات. ولذلك فإن النضال سيظل مستمراً حتى قيام دولة تقوم على المواطنة المتساوية والحقوق المتكافئة، وتُبنى مؤسساتها على الكفاءة والعدالة وسيادة القانون.
وسيظل الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل الحرية والعدالة منارات تهدي الطريق للأجيال القادمة، وستبقى تضحياتهم أمانة في أعناق الأحياء. فالوفاء الحقيقي لهم لا يكون بالرثاء وحده، وإنما بمواصلة العمل والنضال لتحقيق الأهداف التي استشهدوا من أجلها.
قد يكون طريق التحرر طويلاً وشاقاً، لكنه الطريق الوحيد نحو بناء وطن جديد يتسع للجميع. ولذلك سيبقى العهد قائماً، والإرادة ثابتة، والنضال مستمراً حتى يتحقق السودان الذي يحلم به أبناؤه وبناته، سودان الحرية والعدالة والسلام.
فالثورة مستمرة، والتحرر قادم، وإرادة الشعوب لن تُقهر.




