
د. خالد تارس
يبدو أن تنظيم الحركة الإسلامية (الكيزان).. لا يعرف كيف يبقى على المشهد دون عُنف سياسي او صراعات دموية طابعها الحرب والاستنزاف والألم، وعلى الرغم من استيلائهم على سلطة بورتسودان بقوة السلاح، وانقلابهم على الحكومة المدنية في الخرطوم إلا انهم لم يشفَون بعد من عُقدة الهوس وافتعال الخصومات العبثية في الداخل والخارج، فها هم اليوم يجرّون السودان إلى صراع وهمي مع دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يتجولون بين مزاعم واتهامات تتناقض حد السخرية مع القانون الدولي والأعراف الدبلماسية، فتارة يروّجون لدعم تقدمه أبوظبي لقوات الدعم السريع، وتارة أخرى يختلقون رواية استقدام مرتزقة من كولومبيا للقتال في صفوف الدعم وكأن الحقيقة آخر ما يعنيهم.!
هذه المرة لم يكتفِ التنظيم بترديد الاتهامات في غرفه المغلقة، بل حشد منظومة إعلام الإسلام السياسي بأسرها لخوض حملة منظمة ضد الإمارات، مستخدماً جميع الأدوات والاساليب القذرة للترويج وبث الاشاعه، لكنها محاولة مكشوفة لكل من يراقب طبيعة الادوار التي يقوم بها هذا التنظيم، و الأسوأ في هذه الحملة الواطية انها تُدار باسم السودان كله، وتُسخَّر فيها وثائق الدولة وعلاقاتها الرسمية لخدمة صراع أيديولوجي ضيق ومحدود مع دولة عربية ذات سيادة، اختارت منذ زمن أن تجعل من مواجهة الإرهاب والارهابيين مبدأً (استراتيجياً) لها في المنطقة.
إن التصعيد الاخير مع دولة الامارات ماهو إلا التفاف سياسي (عبثي).. يفتقر إلى الحد الأدنى من الأعراف والمبادئ التي تحكم العلاقات الدولية ومصالح الشعوب، بل إن المخططين والقائمين عليه يندفعون بكل إصرار نحو هاوية القطيعة والانعزال الاقليمي، حتى اضطرّت الإمارات إلى اتخاذ قرارات مؤلمة وصارمة تجاة السودان كله، منها حرمان خطوط الطيران السوداني من استخدام مطاراتها وموانيها، وهو قرار لا يضرُّ بالساسة المتصارعين بقدر ما يطال حياة المواطنين، والجاليات السودانية التي صنعت لنفسها هناك جسراً من العلاقات والعمل والحياة في الامارات لعقود من السنوات، ولا تكاد تعرف كيف تعيش خارج شواطي الامارات ومحيطها، والمفارقة التي تثير الغثيان أن أكثر من يرفعون شعارات العداء للإمارات، هم أنفسهم من يعيشون على دفء علاقاتها ومزاياها الاقتصادية، حيث هناك تستقر عائلاتهم، وتتعاظم استثماراتهم وتدار اعمالهم التجارية وشركاتهم (الربحية).. وهم أول من استفادوا واثروا من الاتفاقيات التجارية وفرص الاستثمار مع الامارات، واول المستفيدون من المساعدات الإنسانية والدعم الامارتي الذي تدفق على السودان في كل محنه يمر بها او كارثة طبيعية تحل به، ومع ذلك يواصلون بكل جرئة شيطنة أبوظبي وتخوينها في مشهدٍ لا يخلو من نفاق سياسي فجّ.!
ان اخطر مافي هذه الدراما الكيزانية أن هؤلاء يحاولون تصوير الحرب الدائرة في السودان وكأنها مواجهة مباشرة مع دولة لا تربطها بنا حدود، في سعي يائس لتحويل مأساة داخلية إلى مواجهة إقليمية مفتعلة، نتيجتها الحتمية مزيد من الخسائر السياسية ومزيد من العزلة الدبلماسية، ومزيد من تمزيق ما تبقى من وشائج السودان مع محيطه الاقليمي. لقد آن الأوان أن يعي هؤلاء (المتشددين).. أن السياسة ليست مسرحًا لتصفية الأحقاد، وأن العلاقات بين الدول يجب تُبنى على المصالح المشتركة، لا على أوهام الصراع الدبلماسي وانتاج الازمة وإلا فلن يكون الشعب السوداني إلا الخاسر الأكبر في لعبة لا رابح فيها ولا منتصر.




