تقارير وتحقيقات

قمة السبع في مواجهة التنين: هل ما زال الغرب قادراً على إدارة العالم دون الصين؟

التنوير تقرير خاص إعداد د. الفاضل السنهوري

 

التنوير تقرير خاص إعداد د. الفاضل السنهوري 

منذ أن اجتمع قادة أكبر الاقتصادات الغربية في قصر رامبوييه الفرنسي عام 1975 لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، ظل الهدف المعلن لمجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (G7) هو تنسيق السياسات الاقتصادية والدفاع عن استقرار النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. لكن العالم الذي ولدت فيه المجموعة لم يعد موجوداً اليوم، كما أن موازين القوة التي حكمت العلاقات الدولية طوال عقود تعرضت لتحولات عميقة، أبرزها الصعود المذهل للصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية تنافس الولايات المتحدة نفسها على قيادة النظام العالمي.

ومع انطلاق أعمال قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026، يعود سؤال قديم إلى واجهة النقاش الدولي: هل ما زالت مجموعة السبع قادرة على تمثيل الاقتصاد العالمي وصناعة القرارات الكبرى في غياب الصين؟ أم أن النظام الدولي تجاوز بالفعل مرحلة الهيمنة الغربية المنفردة ودخل عصراً جديداً من التعددية القطبية؟

في الواقع لا تنعقد قمة إيفيان هذا العام كاجتماع دوري عادي، بل تأتي في لحظة دولية بالغة الحساسية تتشابك فيها ملفات الحرب والتجارة والطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن العالمي، فيما تزداد المنافسة بين واشنطن وبكين حدةً واتساعاً.

من رامبوييه إلى إيفيان.. نصف قرن من الهيمنة الغربية

عندما تأسست مجموعة السبع قبل أكثر من خمسين عاماً كانت تضم الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا الغربية واليابان وبريطانيا وإيطاليا، قبل أن تنضم كندا في العام التالي. آنذاك كانت هذه الدول تمثل القلب النابض للاقتصاد العالمي، وتنتج النسبة الأكبر من الناتج العالمي وتسيطر على التكنولوجيا والمال والتجارة الدولية.

في تلك المرحلة كانت الصين دولة فقيرة ومنغلقة نسبياً، تعيش سنواتها الأخيرة تحت حكم ماو تسي تونغ، ولم يكن أحد يتصور أن تتحول خلال عقود قليلة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مصنع على سطح الأرض.

لذلك لم يكن غياب الصين عن النادي الغربي يثير أي تساؤلات. أما اليوم فإن السؤال أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

الصين.. الغائب الذي يفرض حضوره

رغم أن بكين لا تملك مقعداً داخل قاعة اجتماعات مجموعة السبع، فإن معظم الملفات المطروحة على جدول أعمال القمة ترتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فالتجارة العالمية لا يمكن فصلها عن الصين، وسلاسل الإمداد الدولية تمر عبر المصانع الصينية، والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة يعتمد إلى حد كبير على المعادن النادرة التي تسيطر بكين على جانب كبير من إنتاجها وتكريرها.

كما أن الصين أصبحت لاعباً رئيسياً في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الضخمة المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”.

ولهذا يرى كثير من الخبراء أن الصين لم تعد مجرد دولة خارج مجموعة السبع، بل أصبحت القضية المركزية التي تدور حولها معظم نقاشات المجموعة.

الاقتصاد العالمي بين قوتين عظميين

تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الصين أصبحت خلال العقدين الماضيين المحرك الأساسي للنمو العالمي. وقد تجاوز اقتصادها اقتصادات معظم أعضاء مجموعة السبع باستثناء الولايات المتحدة.

وفي المقابل ما تزال دول المجموعة مجتمعة تمثل كتلة اقتصادية ومالية هائلة تمتلك نفوذاً كبيراً داخل المؤسسات المالية الدولية وأسواق المال والتكنولوجيا المتقدمة.

لكن التحدي الرئيسي الذي يواجه القمة يتمثل في كيفية التعامل مع واقع اقتصادي جديد لم تعد فيه الهيمنة الغربية المطلقة أمراً ممكناً كما كان في العقود السابقة.

فالعالم لم يعد أحادي المركز، والأسواق لم تعد تدور بالكامل حول العواصم الغربية.

عقبة الديمقراطية التي تفصل بكين عن النادي الغربي

إذا كان الاقتصاد وحده هو المعيار، لكانت الصين عضواً طبيعياً في مجموعة السبع منذ سنوات طويلة.

لكن المجموعة لا تُعرّف نفسها باعتبارها تجمعاً اقتصادياً فقط، بل باعتبارها تحالفاً للديمقراطيات الصناعية الكبرى.

ومن هذا المنطلق ترى الدول الأعضاء أن النظام السياسي الصيني يمثل العقبة الأساسية أمام أي حديث عن عضوية محتملة لبكين.

فالصين، رغم نجاحها الاقتصادي الهائل، ما تزال تُدار عبر نظام الحزب الواحد، وهو ما يتعارض مع المبادئ السياسية التي قامت عليها المجموعة منذ تأسيسها.

ولهذا تبدو الفجوة السياسية بين الجانبين أعمق من الفجوة الاقتصادية.

التنافس التكنولوجي.. معركة القرن الحادي والعشرين

لم يعد الصراع بين الغرب والصين يدور فقط حول التجارة أو الرسوم الجمركية، بل انتقل إلى ساحات أكثر حساسية تتعلق بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والاتصالات والفضاء والأمن السيبراني.

وقد نجحت الصين خلال السنوات الأخيرة في تحقيق قفزات هائلة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي أثار قلقاً متزايداً لدى الولايات المتحدة وشركائها.

وتدرك دول مجموعة السبع أن المنافسة المقبلة لن تُحسم في المصانع التقليدية أو أسواق المال وحدها، بل في مختبرات الذكاء الاصطناعي وشبكات البيانات العملاقة.

ولهذا يحتل ملف التكنولوجيا موقعاً مركزياً في أعمال القمة الحالية.

الشرق الأوسط يدخل المشهد

لا تقتصر أهمية قمة إيفيان على الملفات الاقتصادية، إذ تشهد مشاركة عدد من قادة الشرق الأوسط في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد أهمية المنطقة بالنسبة لأمن الطاقة العالمي.

وتأتي مشاركة قادة عرب وإقليميين في وقت تسعى فيه القوى الكبرى إلى احتواء الأزمات المتفاقمة ومنع تحولها إلى مواجهات أوسع قد تهدد الاقتصاد العالمي بأسره.

كما تعكس هذه المشاركة إدراكاً متزايداً بأن الاستقرار الدولي لم يعد شأناً غربياً خالصاً، بل قضية ترتبط بمناطق عديدة من العالم.

لماذا تخشى بكين مجموعة السبع؟

رغم انتقاداتها المستمرة للمجموعة، فإن الصين تتابع اجتماعاتها بدقة شديدة.

فبكين تدرك أن مجموعة السبع ما تزال تمثل أكبر تجمع للقوة الاقتصادية والمالية والتكنولوجية في العالم.

كما أن معظم القرارات المتعلقة بالتجارة والتكنولوجيا والاستثمار والعقوبات الدولية تمر بصورة أو بأخرى عبر العواصم المنضوية تحت هذا التحالف.

ومن هنا تنظر الصين إلى المجموعة باعتبارها منصة سياسية غربية تسعى إلى تنسيق المواقف تجاه صعودها المتسارع.

وفي المقابل ترى دول المجموعة أن النفوذ الصيني المتزايد يمثل تحدياً استراتيجياً طويل المدى يتطلب استجابة جماعية ومنظمة.

الدرس الروسي وتحفظات التوسع

تستحضر قمة إيفيان تجربة روسيا التي انضمت إلى المجموعة في تسعينيات القرن الماضي قبل أن تُستبعد لاحقاً عقب أزمة القرم عام 2014.

وقد تركت تلك التجربة أثراً عميقاً داخل دوائر صنع القرار الغربية، حيث بات كثير من القادة أكثر تحفظاً تجاه فكرة توسيع المجموعة لتشمل قوى كبرى لا تتبنى النموذج الديمقراطي الغربي.

ولهذا يرى كثير من المراقبين أن احتمال انضمام الصين إلى مجموعة السبع ما يزال بعيداً، مهما بلغ حجمها الاقتصادي وتأثيرها الدولي.

قمة تبحث عن مستقبلها

في نهاية المطاف لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الصين ستنضم إلى مجموعة السبع، بل ما إذا كانت مجموعة السبع نفسها قادرة على الاحتفاظ بدورها التاريخي في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

فالصين أكبر من أن تُهمّش، ومجموعة السبع أكبر من أن تُتجاهل، والعالم المعاصر أصبح أكثر تعقيداً من أن تديره قوة واحدة أو تحالف واحد.

ولهذا تبدو قمة إيفيان 2026 لحظة اختبار تاريخية ليس فقط للعلاقة بين الغرب والصين، بل لمستقبل النظام الدولي بأكمله.

ففي زمن التحولات الكبرى لم يعد السؤال من يحكم العالم، بل كيف يمكن للعالم أن يُدار وسط تعدد القوى وتضارب المصالح وتغير موازين النفوذ.

وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه قادة مجموعة السبع وهم يجلسون حول طاولة واحدة في إيفيان، بينما يراقبهم التنين الصيني من بعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!