رأي

صوت وصورة ورمز… وواقع آخر

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في بلدٍ تُقصف فيه البيوت، ويُدفن فيه الناس تحت الأنقاض، ويُحرم فيه المريض من الدواء، يصبح الألم اليومي هو اللغة الرسمية للحياة.

تخرج السلطة كل يوم لتحدث الناس عن الأزمة.

وزير المالية يدعو إلى تحويل الأموال عبر البنوك “دعماً للاقتصاد”، وحديث متكرر عن شح النقد وانهيار الموارد.

وفي خطاب آخر، يُطلب من الناس الصبر على انقطاع الكهرباء باعتباره جزءاً من “الظرف العام”.

في المقابل، يعيش المواطن بين انقطاع الخدمات وتآكل القدرة على البقاء، بينما تُطلب منه نفس الرسالة كل يوم: تحمّل… انتظر… تكيّف.

لكن على الأرض، لا يوجد إلا المعاناة… بينما الرفاهية تأتي من خارج الحدود.

في السودان اليوم، هناك من يموت لأن المستشفى بلا دواء، وهناك من لا يجد طريقاً آمناً ليصل إليه أصلاً. وفي الجهة الأخرى من المشهد، تُعرض حياة كاملة كأنها لا تنتمي لهذا الواقع.

سيارة فارهة تُشترى في الخارج.

تبدو السيارة في أول المشهد وكأنها إحدى سيارات السيدة شميم مافي الإيرانية، ولوحات تحمل رموزاً سياسية مثيرة، ومشهد مصحوب بأنشودة مرتبطة بفيلق البراء، وخطاب تعبوي لا يعرف معنى الجوع ولا صفوف الدواء ولا انقطاع الكهرباء، بينما الناس داخل البلاد تدفع الثمن يومياً.

ثم تأتي المفارقة:

قطعا، عربة بهذه الفخامة، ولوحاتها التي تحمل دلالاتها السياسية، لن يُكتب لها المرور عبر كوبري أردمتا الذي تم تدميره.

لا هذه السيارة ستمر عبر ما تهدّم من جسر أردمتا، ولا من حولها يمكن أن تصيبهم حمى الضنك، ولا الكاميرا تستطيع أن تعكس واقعاً غير ما يعيشه من أمامها.

هنا لا يصبح الأمر صورة ولا فيديو.

بل يصبح مواجهة بين واقع يُعاش تحت القصف ونقص الدواء وانهيار الخدمات، واستعراض يُبث من خارج هذا الألم.

المغترب يُطلب منه أن يُحوّل ما يملك “دعماً للاقتصاد”.

الداخل يُطلب منه أن يصبر، أن يتحمل، أن يتكيف مع الانقطاع الدائم في كل شيء: الماء، الكهرباء، الدواء، وحتى الأمل.

ثم يُقال إن هذه حرب كرامة.

لكن أي كرامة تُقاس بعدد الضحايا تحت القصف؟

وأي معنى للكرامة في بلد يُحرم فيه المريض من الدواء، بينما تُعرض حياة لا تشبه ما يحدث على الأرض؟

بلد يُقصف فيه الناس، ويُحرم فيه المريض من الدواء، ويُطلب من الجائع أن يصبر باسم الحرب، لا يمكن أن يُواجه باستعراض يُبث من الخارج كأنه واقع طبيعي. خلفه أنشودة مرتبطة بفيلق البراء وخطاب حرب، ورسائل لا تعرف معنى الجوع ولا صفوف الدواء ولا انقطاع الكهرباء، بينما الناس هناك تدفع الثمن يومياً.

وفي النهاية، لا تحتاج الحقيقة إلى كثير من الشرح

بلد يُهدم فيه كوبري أردمتا، لا يمكن أن يمر عليه استعراض فاخر دون أن يكشف حجم الانفصال بين الواقع وصورته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!