
عابدة مختار
لا تُقاس قوة الدول بما ترفعه من شعارات، ولا بما تصدره من بيانات وخطب، وإنما بقدرتها على حماية أرضها ومواطنيها وصون سيادتها الوطنية. وعندما يُقتل مواطنون داخل حدود بلادهم دون أن تجد الدولة القدرة على حمايتهم أو حتى امتلاك موقف واضح تجاه ما حدث، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بحادثة معزولة، بل بمفهوم الدولة نفسه وبمدى قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
لقد تحولت أحداث مناطق العيقاد وجبل العقبة إلى لحظة فارقة في الوعي السوداني، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية المؤلمة التي طالت مواطنين مدنيين كانوا يبحثون عن أرزاقهم في مناطق التعدين، وإنما لأنها أعادت إلى الواجهة أسئلة السيادة والمسؤولية الوطنية. فالمواطنون الذين سقطوا هناك لم يكونوا طرفاً في مواجهة عسكرية، ولم يكونوا يحملون السلاح، بل كانوا يمارسون نشاطاً اقتصادياً داخل أراضيهم الوطنية، قبل أن تتحول تلك المناطق إلى مسرح للموت والخوف والفقدان.
وفي مقابل هول المأساة، بدا المشهد الرسمي عاجزاً عن تقديم إجابات مقنعة للرأي العام السوداني. فالغضب الشعبي الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي عكس حجم الإحساس العام بأن أرواح السودانيين أصبحت تدفع ثمن أزمات سياسية تراكمت عبر سنوات طويلة من سوء الإدارة وغياب الرؤية الوطنية الشاملة.
إن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة مسار طويل أضعف مؤسسات الدولة وأفقدها القدرة على حماية سيادتها وحدودها ومصالحها الوطنية. فمنذ سنوات ظل ملف الأراضي السودانية المتنازع عليها، وفي مقدمتها حلايب وشلاتين ومناطق أخرى، شاهداً على تعقيدات سياسية لم تجد طريقها إلى الحل، بينما استمرت الوقائع على الأرض في فرض معادلات جديدة على حساب الحقوق السودانية.
وخلال العقود الماضية انشغلت النخب الحاكمة بصراعاتها السياسية ومشروعاتها الأيديولوجية أكثر من انشغالها ببناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها ومواردها. وكانت النتيجة تراجعاً مستمراً في هيبة الدولة ومكانتها، حتى وصلت البلاد إلى مرحلة أصبحت فيها قضايا السيادة والأمن الوطني موضع قلق واسع لدى المواطنين.
ثم جاءت حرب الخامس عشر من أبريل لتكشف عمق الأزمة التي تعيشها الدولة السودانية، وتؤكد أن استمرار الصراع لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام والاستنزاف والخسائر البشرية والاقتصادية. وفي المقابل برزت دعوات متزايدة للبحث عن مشروع وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة والعدالة والمشاركة المتساوية بين جميع السودانيين دون تمييز أو إقصاء.
إن ما حدث في العيقاد وجبل العقبة يتجاوز حدود حادثة أمنية أو عسكرية، ليصبح جرس إنذار يدعو إلى مراجعة شاملة لمسار الدولة السودانية ومستقبلها. فالدول لا تبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات القادرة على حماية الحقوق وصيانة السيادة وتحقيق العدالة.
وسيظل دم المدنيين الذين سقطوا هناك يطرح سؤالاً مؤلماً على الجميع: كيف يمكن بناء وطن آمن ومستقر ما لم تصبح حماية المواطن السوداني وسيادة أرضه أولوية لا تقبل التأجيل أو المساومة؟




