
الصادق آدم المأمون (كجيرة )
لم تكن معركة شيكان التي وقعت في الخامس من نوفمبر عام 1883 مجرد مواجهة عسكرية بين قوات الثورة المهدية وجيش المستعمر التركي المصري بقيادة الجنرال وليام هكس، وإنما كانت لحظة فارقة أعادت رسم تاريخ السودان والمنطقة بأكملها. ففي تلك الصحراء الممتدة غرب كردفان سقطت واحدة من أكبر الحملات العسكرية التي أُرسلت لإخضاع السودانيين، وولد من رحم ذلك الانتصار وعي وطني ظل حاضراً في الذاكرة الجمعية للسودانيين حتى يومنا هذا.
لقد أثبتت شيكان أن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والسيادة قادرة على هزيمة الجيوش المدججة بالسلاح، وأن إرادة التحرر لا يمكن كسرها بالقوة مهما بلغت إمكانيات الخصوم. ولذلك لم تكن شيكان مجرد معركة، بل أصبحت رمزاً سياسياً وثقافياً ونفسياً ظل يلاحق الوعي المصري الرسمي كلما نهض السودان مطالباً بحقه في تقرير مصيره بعيداً عن الوصاية الخارجية.
في هذا السياق يمكن قراءة التصريحات الأخيرة التي أطلقتها الباحثة المصرية أماني الطويل بشأن تطورات الحرب في السودان. فهذه التصريحات لا تبدو معزولة عن الإرث التاريخي الذي ظل يحكم نظرة قطاعات واسعة من النخبة المصرية تجاه السودان. فمنذ عقود طويلة ظلت بعض دوائر صنع القرار في القاهرة تنظر إلى السودان باعتباره مجالاً حيوياً تابعاً لمصالحها الاستراتيجية، وليس دولة مستقلة ذات سيادة كاملة وحق أصيل في اختيار مستقبلها السياسي.
ولذلك فإن الحديث المتكرر عن الحرص على وحدة السودان واستقراره كثيراً ما يتناقض مع الممارسة الفعلية على الأرض. فبينما ترفع القاهرة شعارات احترام السيادة السودانية في المحافل الدولية، ما تزال قضية حلايب وشلاتين شاهداً حياً على تناقض الخطاب مع الواقع. كما أن التدخل المستمر في الشأن السوداني خلال العقود الماضية يؤكد أن النظرة التقليدية للسودان لم تتغير بالقدر الذي يتوافق مع متطلبات العلاقات الحديثة بين الدول.
لقد كشفت الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 كثيراً من الحقائق التي كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة. وأظهرت حجم الرهانات الإقليمية والدولية المتشابكة حول مستقبل البلاد. وفي قلب هذه الرهانات برز الدور المصري بوصفه أحد أكثر الأدوار وضوحاً وانحيازاً لطرف بعينه في الصراع، الأمر الذي جعل كثيراً من السودانيين ينظرون بعين الريبة إلى التصريحات والمواقف الصادرة من القاهرة.
ويأتي حادث استهداف المعدنين السودانيين في منطقة شمال الوادي داخل الأراضي السودانية ليضيف بعداً جديداً إلى حالة الاحتقان المتصاعدة. فالحادثة لم تُفهم لدى قطاعات واسعة من الرأي العام السوداني باعتبارها مجرد واقعة عابرة، وإنما بوصفها مؤشراً على تنامي الجرأة في التعامل مع السيادة السودانية في ظل حالة الضعف والتشرذم التي تعيشها البلاد.
واللافت للنظر أن سلطة بورتسودان التي لم تتردد في إطلاق الاتهامات ضد أطراف إقليمية مختلفة عند كل أزمة، اختارت الصمت عندما تعلق الأمر بمصر. وهو صمت أثار تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة التي تربط هذه السلطة بالقاهرة، وحول حدود استقلالية القرار السياسي السوداني في ظل الظروف الراهنة.
إن ما يثير القلق ليس فقط حجم التدخلات الخارجية، وإنما استعداد بعض النخب السودانية للقبول بهذه التدخلات طالما أنها تضمن لها البقاء في السلطة أو تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار بسبب أطماع جيرانها فقط، بل بسبب وجود قوى داخلية مستعدة للتفريط في مصالحها الوطنية مقابل مصالح ضيقة.
واليوم، بينما تتجه أنظار السودانيين نحو مستقبل بلادهم، تعود شيكان مرة أخرى بوصفها رمزاً لمعنى السيادة الوطنية ورفض الوصاية. فكما واجه أبطال شيكان مشاريع الهيمنة الخارجية قبل أكثر من قرن، فإن السودانيين ما زالوا متمسكين بحقهم في بناء دولتهم الحرة المستقلة بعيداً عن أي وصاية إقليمية أو دولية.
لقد سقطت الكثير من الأقنعة خلال هذه الحرب، وظهرت مواقف كانت تُدار في الخفاء. أما السودان، فرغم جراحه العميقة، فإنه سيظل قادراً على النهوض من جديد. وكما صنعت شيكان مجداً وطنياً لا يزال حاضراً في الوجدان السوداني، فإن الأجيال الجديدة قادرة على كتابة فصل جديد من تاريخ البلاد يقوم على الحرية والسيادة والكرامة الوطنية.
وإذا كان شبح شيكان ما يزال يطارد بعض العقول بعد أكثر من قرن، فذلك لأن الشعوب لا تنسى معارك التحرر الكبرى، ولأن التاريخ يحتفظ دائماً بذاكرة خاصة تجاه الذين حاولوا إخضاع الأمم وفشلوا.




