
د. أحمد الحلا
لم يكن اليوم مجرد نهاية لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية، ولم يكن حدثاً تعليمياً عابراً يمر في سجل الأيام ثم يُنسى. كان يوماً استثنائياً بكل المقاييس، يوماً أعلنت فيه الإرادة السودانية انتصارها على اليأس، ورفع فيه جيل كامل راية التحدي في وجه الحرب والحرمان والظروف القاسية.
من نيالا إلى الجنينة، ومن الضعين إلى الفاشر، ومن برام إلى زالنجي والفولة وبابنوسة والمجلد، خرج الطلاب والطالبات إلى الشوارع بفرحة عارمة لم تكن مجرد احتفال بانتهاء الامتحانات، بل كانت احتفالاً بالحياة نفسها. كانت ابتساماتهم تقول إن المستقبل لا يُمنح هديةً لأحد، بل يُنتزع بالإصرار والعمل والصبر.
ما شهدته مدن السودان اليوم يشبه أعظم الانتصارات الوطنية. لقد كان بحق “كأس العالم السوداني”، لكنه ليس كأساً تُحسم نتائجه بالأهداف، وإنما بطولة صنعتها العقول والإرادات. ففي الوقت الذي تحتفل فيه شعوب العالم بالملاعب والمدرجات، احتفل السودانيون بانتصار العلم على الجهل، والأمل على الإحباط، والإرادة على كل محاولات كسر الإنسان السوداني.
لقد أثبت أبناء وبنات دارفور وكردفان أن الشعوب العظيمة لا تنتظر الظروف المثالية كي تحقق النجاح، بل تصنع من المحن فرصاً، ومن المعاناة سلماً نحو المستقبل. جلس هؤلاء الطلاب للامتحانات في ظروف استثنائية، لكنهم قدموا درساً بليغاً في الصمود والإيمان بالحق في التعليم والحياة الكريمة.
ويستحق كل من ساهم في إنجاح هذا الاستحقاق الوطني الكبير كلمات التقدير والعرفان، من المعلمين والإداريين والأسر والجهات التي عملت ليلاً ونهاراً حتى يرى هذا الإنجاز النور. كما تستحق حكومة تأسيس الإشادة على نجاحها في تمكين آلاف الطلاب من أداء امتحاناتهم وحماية حقهم في التعليم. وإن لم تحقق سوى هذا الإنجاز لكفاها، لأنه أعاد الأمل إلى آلاف الأسر، وأنقذ مستقبلاً كان مهدداً بالضياع، وأكد أن بناء الأوطان يبدأ من المدرسة قبل أي شيء آخر.
اليوم لا نحتفل بانتهاء الامتحانات فقط، بل نحتفل بانتصار فكرة أن السودان قادر على النهوض مهما اشتدت المحن. نحتفل بجيل رفض الاستسلام واختار أن يكتب مستقبله بيده.
إنه ليس ختام امتحانات فحسب، بل استفتاء شعبي واسع على الحياة والأمل والمستقبل.
واليوم يبعث هذا الجيل برسالته إلى العالم:
نحن هنا…
وسنبقى هنا…
وسننجح…
وسننتصر.




