رأي

خسائر جانبية

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

من ينتصر. الشعب أم حكومته؟

حادثة قصف مناطق التعدين على الحدود السودانية المصرية وما كشفت من حقائق عارية

السؤال ليس نظريًا. من ينتصر. الشعب أم حكومته؟

السؤال الحقيقي الذي تفرضه الوقائع هو. من يدفع الثمن عندما تتقاطع السيادة مع النار في أرض بلا حماية فعلية؟

حادثة استهداف أو قصف مناطق تعدين في الشمال السوداني ليست حادثة منفصلة. بل نموذج مكثف لوضع أكبر. دولة تتحدث باسم السيادة. بينما الأرض على حدودها تُدار عبر فجوة حقيقية بين السلطة والواقع.

أولًا. المواطن كهدف غير مقصود في نظام غير مكتمل

المعدّنون الذين تواجدوا في تلك المناطق ليسوا طرفًا عسكريًا ولا سياسيًا.

هم جزء من اقتصاد بقاء. نشأ لأن المركز ترك الأطراف تعمل خارج التنظيم الكامل.

لكن في لحظة الاستهداف.

يتحول هذا الإنسان من عامل إلى “تفصيل غير محسوب”.

الخلل الأساسي هنا واضح.

غياب تعريف فعلي للمواطن في مناطق لا تصلها الدولة إلا عند الأزمة.

ثانيًا. السيادة الانتقائية

الدولة في هذه المناطق تعمل بمنطق مزدوج.

حضور عند الموارد والذهب والضرائب

غياب عند الأمن والحماية والخدمات

هذه ليست فجوة. بل نمط حكم. سيادة على العائد. وتخلي عن المسؤولية عن الإنسان.

وعند الاستهداف أو الاشتباك. تظهر الدولة في الخطاب. لا في الحماية.

ثالثًا. اقتصاد الظل كجزء من الدولة غير المعترف بها

التعدين الأهلي في الأطراف ليس نشاطًا هامشيًا.

هو اقتصاد كامل قائم على البقاء. لكنه.

غير مُقنن بالكامل

غير محمي

ومع ذلك يُستفاد منه فعليًا عبر سلاسل متعددة

هذا يخلق تناقضًا مباشرًا.

الدولة تستفيد من اقتصاد لا تعترف بشرعيته الكاملة.

وأي استهداف له لا يكشف فقط خسارة بشرية. بل يكشف خللًا بنيويًا في طريقة إدارة الدولة لهامشها.

رابعًا. الحرب الرمادية والصمت

ما يحدث في هذه المناطق لا يقع داخل حرب معلنة ولا داخل سلم مستقر.

بل داخل منطقة ثالثة. حرب رمادية.

في هذا النوع من الواقع.

لا عدو مُعلن دائمًا

لا مسؤولية واضحة دائمًا

ولا محاسبة دولية فعالة

والأخطر ليس الفعل نفسه. بل ما يحيط به.

صمت إقليمي ودولي يسمح باستمرار الوضع دون تعريف قانوني أو سياسي واضح.

هذا الصمت ليس حيادًا. بل قبول غير معلن بأن هذه المناطق “هامش قابل للاستهلاك”.

خامسًا. الأثر المباشر على الشعب

النتيجة ليست سياسية فقط. بل مباشرة.

قتلى وجرحى من مدنيين وعمال

فقدان مصدر رزق في اقتصاد هش

نزوح وتفكك اجتماعي

تعميق الإحساس بعدم الحماية

لكن الأخطر يتجاوز ذلك إلى الخارج.

حين يُساء إلى المواطن السوداني خارج بلاده أو يُحمَّل تبعات حرب لا يملك قرارها. ثم لا يجد تمثيلًا دبلوماسيًا يحفظ كرامته أو يخفف عنه وقع الإهانة. تظهر طبقة أخرى من الانفصال بين الدولة وشعبها.

في الفيديوهات المتداولة عن القصف يظهر سودانيون بُترت أطرافهم وهم يحاولون النجاة.

آخرون دُفنوا تحت الأنقاض.

وأشخاص كانوا يبكون أثناء التصوير يوثقون ما يحدث بأيدي مرتجفة.

العنف كان فوق احتمال بساطة المعدنين وفوق قدرة المكان على الاحتمال نفسه.

سادسًا. الدبلوماسية الشعبية وجبر الضرر

في غياب التحرك الرسمي الفعّال. بيانات واضحة. اعتراف بالضحايا. عزاء حقيقي. أو حتى خطة إنقاذ للجرحى ودفن للضحايا وإغاثة للناجين. يتشكل فراغ آخر.

فراغ التمثيل والاعتراف بالإنسان.

هنا تبدأ الدبلوماسية الشعبية بالتحرك بشكل غير رسمي.

أفراد ومجتمعات تدافع عن صورة المواطن خارج إطار الدولة

محاولات فردية لجبر الضرر المعنوي

تعويض غياب الصوت الرسمي بصوت المجتمع نفسه

وهذا ليس خيارًا. بل نتيجة مباشرة لغياب الدولة عن أبسط أدوارها الإنسانية.

سابعًا. كيف يتخطى الشعب حكومته؟

الشعب لا يتخطى الحكومة بالشعارات. بل بالممارسة الواقعية الناتجة عن الفشل المتكرر في التمثيل والحماية.

عندما يهان المواطن خارج بلاده بسبب حرب لم يخترها. ولا يجد تمثيلًا دبلوماسيًا يحفظ كرامته

عندما تُدار الحرب دون اعتبار لتكلفتها على المدنيين

عندما تُدفع الأجور والضرائب كاملة. بينما لا يقابلها حد أدنى من الحماية أو الاستجابة

عندما لا تصدر بيانات توضيحية أو حتى عزاء للضحايا

عندما لا تتحرك الدولة لإنقاذ الجرحى أو دفن الموتى أو إغاثة الناجين

في هذه اللحظة لا يحدث انفصال سياسي فقط. بل يحدث انتقال في الوعي.

أن الدولة لم تعد المرجع الأول لحماية المواطن أو تمثيله.

الخاتمة

الحكومة التي لا تؤدي دورها الذي يدفع الشعب مقابله سيتخطاها الشعب قولًا وفعلاً.

لا يوجد سوداني لا يشعر بالحزن والعار والغضب.

فلا توجد قوة أكبر من شعب أوصلته ممارسات حكومته تراكميا لهذه المرحلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!