رأي

 عبد الخالق محجوب ونعرة الصَّلَف المديني !!! : هل كان عبدالخالق (أول بلبوسي)؟؟؟

حاتم إلياس المحامي

 

حاتم إلياس المحامي

      بين يديَّ كتاب د. حسن الجزولي «الهجوم على حِلَّة الشيوعيّين»، يَسجُل فيه ــ بأسلوبٍ ممتع ــ الوقائع التي تَلَت حلَّ الحزب الشيوعيّ السوداني، كاشفًا عن بسالة الشيوعيّين في الدفاع عن وجود حزبهم ودورهم في مواجهة الهجمات الشرسة الار تي شنّها الأنصار، الذين حُشِدوا من الأرياف، ومعهم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

لا يتركك حسن الجزولي، في كلِّ ما كتب ــ «عنف البادية»، «وليم أندريا»، «الهجوم على حِلَّة الشيوعيّين» ــ حتى تُتمَّ آخر صفحة وتطالع حتى الغلاف الخارجي. ومع ذلك يمكنك أن تلمس في كتابته روح النعرة الأمدرمانيّة وتعاليها المؤسَّس بأساطير تلك المدينة هنا وهناك.

وهو في ذلك مُعجَبٌ بعبارة عبد الخالق محجوب التي قالها مخاطبًا الحشود في تلك الأيام العصيبة بعد حل الحزب الشيوعي وفرية حديث الإفك التي اطلقها هوس الأخوان المسلمين وقتها وحشد حزب الأمة لجماهير الانصار الغاصبين من الأرياف البعيدة .حين صعد عبدالخالق فوق حائط المركز العام للحزب الشيوعيّ وخاطب الجماهير والمارَّة من الموظّفين:

 «يا أصحاب القمصان المكوية، اتّحدوا؛ فقضيّتنا اليوم تتعلّق ــ في المقام الأول ــ بالتحضُّر في الوقوف ضدَّ محاربة الفكر بالعنف الهمجي… عُنف البادية!»

احتفى د. حسن الجزولي كثيرًا بهذه العبارة حتى إنّه سمّى كتابه الأول حول أحداث 19 يوليو «عنف البادية» وإعداماتها الشهيرة. والغريب أنّ مُنفِّذي تلك الإعدامات كانوا «أولاد أمدرمان» أنفسهم ضد أولادها أيضًا، وبكثيرٍ من القسوة والعنف، وكأنّها إعادة استنساخ من ذاكرة المدينة نفسها لأيام «التطويب والقتل بالعقارب وعذابات سجن الساير» إبّان فترة التعايشي.

أقول إنّ عبارة عبد الخالق هذه ــ إنْ صَحَّ نقلها عنه! ــ في خِضَمّ توتّرٍ نفسيٍّ وبدنيٍّ عالٍ لدى هذا القائد، لم تكن موفّقة؛ بل هي الأضعف في عباراته وخطبه، إذ بدا فيها عبد الخالق مجرّد أَفنديٍّ مدينيّ، لا ذلك العقل الماركسيّ النبيه. حاول التعبئة مستندًا إلى هذا الفصل الدراميّ والمتعسِّف بين مدينةٍ وياقاتٍ مكويةٍ من جهة، وبين ريفٍ وباديةٍ مُعبَّأةٍ بالعنف من جهة أخرى، وكأنّ الحدود الاجتماعيّة قد انتَهت. أيَّ حدٍّ يقصده عبد الخالق هنا غير حدِّ الصراع الطبقي نفسه؟

هل كان عبد الخالق ماركسيًّا ثورياً هنا. ؟ لا أظنّ. بل كان أمدرمانيًّا قُحًّا وأفنديًّا مدينيًّا رأى في حشود أولئك الفقراء القادمين من الريف ــ لما قيل لهم إنّه جهاد في سبيل الدين ــ مجرّد «عنف بادية»، على الرغم من أنّه كان يَعي أنّ الأمر كان أيضًا يمسُّ، في شكله ذاك، جانبًا مُشوّهًا من جوانب الصراع الطبقي؛ إذ تبدو المدينة بأفنديّتها من شيوعيّين وغيرهم وأصحاب «الميري» ــ في أذهان أولئك ــ المظهرَ السكنيَّ للطبقات المُهيمنة، فانقادت تلك الجموع من أريافها للقصاص من حداثتها المتعالية*.

في ظنّي، كان استهداف الشيوعيّين آنذاك استهدافًا للمدينة في أحد أشكال حداثتها السياسيّة، وهي الحزب الشيوعيّ. أدرك عبد الخالق ذلك في وسط توتّره، وأراد أن يحشد أفنديّتها في حرب المدينة ضد الريف. ذلك، بالطبع، ما يعنينا في دوافع الجذر الاجتماعي الذي انفجر لاحقًا وسماه حسن الجزولي «عنف البادية»، لا بالصراع داخل الجمعيّة التأسيسيّة الذي كان سببًا له .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!