
عماد جدو
ليست المشكلة في أن تسعى مصر إلى تحقيق مصالحها في السودان، فهذه هي طبيعة الدول. المشكلة الحقيقية أن داخل السودان نفسه توجد نخب سياسية وعسكرية وإعلامية كرّست حياتها للدفاع عن مصالح الآخرين أكثر من دفاعها عن مصالح بلادها.
هذه النخب لم تكن يوماً جزءاً من مشروع وطني حقيقي، بل تحولت مع مرور الزمن إلى طبقة من الوسطاء السياسيين الذين يعيشون على تسويق النفوذ الخارجي داخل السودان. فكلما تعلق الأمر بالمياه أو الحدود أو الذهب أو القرار السيادي، وجد السودانيون أنفسهم أمام أصوات محلية تردد الخطاب القادم من الخارج وتطالب السودانيين بالتنازل تحت شعارات الأخوة والمصير المشترك والأمن الإقليمي.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الدول لا تنهب ثروات الآخرين وحدها، بل تحتاج دائماً إلى من يفتح لها الأبواب من الداخل. وما كان لأي نفوذ خارجي أن يتمدد في السودان لولا وجود نخب اعتادت النظر إلى السلطة باعتبارها وسيلة لخدمة مصالحها الخاصة لا مصالح الوطن.
ومنذ أيام محمد علي باشا وحتى اليوم ظل السودان يُنظر إليه من قبل بعض القوى الإقليمية باعتباره مخزوناً للموارد والثروات والفرص الاقتصادية. تغيرت الأدوات وتبدلت الشعارات، لكن جوهر المسألة ظل كما هو: كيف يمكن الاستفادة من السودان بأكبر قدر ممكن من المكاسب وأقل قدر ممكن من الكلفة؟
أما الكارثة الحقيقية فهي أن بعض النخب السودانية لم تكتف بالصمت على هذا الواقع، بل تحولت إلى مدافع شرس عنه. فعندما يطالب السودانيون بحقوقهم في مواردهم يتهمونهم بالتطرف، وعندما يدافعون عن سيادتهم يتهمونهم بالشعبوية، وعندما يرفضون التنازل عن ثرواتهم يقال لهم إنهم يهددون العلاقات التاريخية بين البلدين.
إن الذهب السوداني ليس ملكاً لحكومة مؤقتة، ولا لسلطة أمر واقع، ولا لنخبة سياسية تبحث عن البقاء في السلطة، وإنما هو ملك للشعب السوداني. وأي ترتيبات تتعلق بهذه الموارد يجب أن تخضع لإرادة وطنية حرة ومؤسسات شرعية تمثل السودانيين كافة.
لقد كشفت الحرب الحالية هشاشة كثير من الشعارات التي رفعتها النخب التقليدية لعقود طويلة. وبينما كان الشباب السوداني يبحث عن لقمة العيش في التعدين الأهلي أو يغامر بحياته في طرق الهجرة القاتلة، كانت جماعات المصالح منشغلة بإعادة توزيع النفوذ والثروات والامتيازات.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى خطابات المجاملة السياسية، بل يحتاج إلى مراجعة شجاعة لكل منظومة الارتهان التي حكمت البلاد لعقود. فالأمم لا تُبنى بالخضوع، ولا تُصان ثرواتها بالمساومات، ولا تُحترم سيادتها عندما يتحول بعض أبنائها إلى حراس لمصالح الآخرين.
المعركة الحقيقية ليست مع الخارج وحده، بل مع العقلية التي ترى أن مستقبل السودان يجب أن يُقرر خارج السودان، وأن ثرواته يمكن أن تكون موضوع مساومة مقابل البقاء في السلطة أو الحصول على الدعم السياسي.
ولهذا فإن استعادة الدولة السودانية تبدأ أولاً باستعادة القرار الوطني، وتجفيف منابع الارتهان، وإقامة علاقة مع جميع دول الجوار تقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، لا على التبعية والخضوع وتقديم التنازلات المجانية.




