الأبيض تكشف فجوة التقديرات الدولية المتكررة : السودان أكبر من رواية دولية واحدة !!
ابو عبدالله الراشدي

ابو عبدالله الراشدي
ليست قيمة البيانات الدولية في ما تقوله فحسب، وإنما في ما تغفله أيضاً. فحين تتناول المؤسسات الدولية نزاعاً معقداً بحجم وتعقيد الأزمة السودانية، تصبح الدقة في قراءة الوقائع شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة السياسية قبل أن تكون ضرورة قانونية أو أخلاقية. ذلك أن أي مقاربة تكتفي بمشاهدة جزء من المشهد وتغفل أجزاءه الأخرى، قد تنتهي ــ ولو بحسن نية ــ إلى إنتاج نتائج معاكسة للأهداف التي تعلن السعي إليها.
لقد ظل السودان خلال السنوات الأخيرة مسرحاً لحرب مدمرة تجاوزت حدود الصراع العسكري التقليدي، لتتحول إلى أزمة دولة ومجتمع ومستقبل. وفي مثل هذه الحروب لا تكفي البيانات المعيارية وحدها لفهم الواقع، لأن الوقائع على الأرض تتغير بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات الدولية على ملاحقتها، ولأن موازين القوى السياسية والاجتماعية تتبدل بصورة تجعل من الضروري إعادة النظر باستمرار في الفرضيات التي تُبنى عليها المواقف الدولية.
من الناحية القانونية، لا خلاف حول أهمية حماية المدنيين وضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وضمان وصول المساعدات الإنسانية ومنع استهداف السكان أو تعريضهم لمخاطر الحرب. فهذه مبادئ مستقرة في القانون الدولي وتشكل الحد الأدنى من الالتزامات الأخلاقية والقانونية في النزاعات المسلحة. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول بعض التقديرات السياسية إلى حقائق نهائية قبل إخضاعها لاختبار الواقع أو الاستماع إلى مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة.
إن جوهر العدالة الدولية لا يقوم على إصدار الأحكام من مسافة بعيدة، وإنما على الإحاطة الكاملة بالسياقات التي أنتجت النزاع. فالأزمة السودانية ليست مجرد مواجهة عسكرية حول مدينة أو إقليم، بل هي صراع عميق حول طبيعة الدولة وشكل السلطة ومستقبل الحكم وعلاقة المركز بالأطراف، وهي قضايا لا يمكن اختزالها في توصيفات قانونية جامدة أو قراءات سياسية أحادية.
وفي هذا السياق، يبرز الجدل المتعلق بواقع الإدارة والحكم في مناطق السيطرة المختلفة. فالتاريخ السياسي المعاصر يقدم عشرات النماذج التي نشأت فيها ترتيبات إدارية أو سلطات انتقالية خلال النزاعات المسلحة قبل أن تصبح لاحقاً جزءاً من التسويات النهائية أو مكونات الدولة الجديدة. ولذلك فإن التعامل مع التحولات الجارية بوصفها مجرد ظواهر عابرة قد لا يعكس حقيقة التغيرات التي فرضتها الحرب على الأرض، ولا يساعد في بناء مقاربة واقعية للحل السياسي.
الأخطر من ذلك أن بعض المواقف الدولية تبدو أحياناً وكأنها تركز على نتائج الأزمة أكثر من أسبابها. فالحرب لا تستمر بسبب البيانات، بل بسبب غياب الإرادة السياسية القادرة على إيقافها. وعندما يصبح الخطاب العسكري هو اللغة الأكثر حضوراً في المجال العام، فإن فرص السلام تتراجع تلقائياً مهما تعددت المبادرات والنداءات.
ومن هنا تكتسب مدينة الأبيض أهمية استثنائية تتجاوز بعدها الجغرافي والعسكري. فهذه المدينة ليست مجرد نقطة على خارطة العمليات، بل تمثل عقدة استراتيجية وسياسية يمكن أن تؤثر نتائجها على مجمل المشهد السوداني. وما يجري حولها اليوم ليس معركة ميدانية فحسب، بل اختبار لمستقبل التوازنات السياسية في إقليم كردفان وفي السودان بأسره. ولهذا تتجه إليها أنظار الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين باعتبارها واحدة من المحطات المفصلية في مسار الحرب.
غير أن النقاش لا يتوقف عند الأبيض وحدها. فداخل السودان تتصاعد تساؤلات مشروعة حول أسباب التفاوت في مستويات الاهتمام الدولي بين حادثة وأخرى، وبين منطقة وأخرى، وبين ضحايا وآخرين. وهذه الأسئلة لا تعكس رفضاً لمبدأ الحماية الدولية، وإنما تعبر عن رغبة متزايدة في رؤية مواقف أكثر اتساقاً وعدالة وشمولاً تجاه جميع الانتهاكات، أياً كان مرتكبوها وأياً كانت الجغرافيا التي وقعت فيها.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى بيانات إضافية بقدر حاجته إلى رؤية جديدة. رؤية تنطلق من الاعتراف الكامل بتعقيد الأزمة، وتتعامل مع جميع الأطراف والوقائع بمعيار واحد، وتضع إنهاء الحرب فوق كل الاعتبارات الأخرى. فالسلام لا يصنعه الانحياز، ولا تبنيه القراءات الانتقائية، ولا يتحقق عبر اختزال المأساة في جانب واحد من الصورة.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن الحروب الطويلة تعاقب الجميع بلا استثناء، وأن الخاسر الأكبر فيها هو المواطن البسيط الذي يجد نفسه بين نار المعارك وقسوة النزوح وضيق المعيشة وانسداد الأفق. ولذلك فإن أي جهد دولي جاد ينبغي أن يبدأ من سؤال واحد: كيف يمكن إيقاف الحرب؟ وما لم تكن الإجابة على هذا السؤال هي محور كل التحركات والمواقف، فإن الجدل سيظل مستمراً، وستبقى البيانات تتوالى بينما يواصل السودانيون دفع أثمان الصراع يوماً بعد يوم.
وفي النهاية، فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تُقرأ السودان بعين الواقع لا بعين التصورات المسبقة، وأن يُنظر إلى تعقيداته باعتبارها مفتاح الحل لا سبباً لتجاهله. فالدول لا تُبنى بالبيانات وحدها، بل بالفهم العميق للوقائع، والاعتراف بالتغيرات، والبحث الصادق عن سلام عادل يوقف الحرب ويعيد للسودانيين حقهم في وطن آمن ومستقر.




