الحكم اللامركزي الفدرالي في السودان: قراءة في التجربة والتحديات وآفاق التطوير (الحلقة الثانية)
عبدالله جمعة النور

عبدالله جمعة النور الخبير في قضايا الحكم والادارة
رئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف السودان التأسيسي
يشكل نظام الحكم اللامركزي الفدرالي أحد أهم القضايا المرتبطة ببناء الدولة السودانية الحديثة، وذلك بالنظر إلى طبيعة السودان الجغرافية والتاريخية والثقافية، وما شهده من أزمات متكررة ارتبطت في جوهرها باختلالات بنية السلطة والثروة وغياب المشاركة العادلة في إدارة الشأن العام. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة التطور الدستوري لنظام الحكم في السودان، والوقوف على التجارب السابقة بهدف استشراف آفاق الإصلاح والتطوير.
دستور 2019 المعدل لسنة 2020م
في أعقاب ثورة ديسمبر المجيدة، توافق شركاء الفترة الانتقالية على وثيقة دستورية هدفت إلى إرساء أسس التحول الديمقراطي وبناء دولة تقوم على اللامركزية وسيادة حكم القانون. وقد أبقت الوثيقة على أربعة مستويات للحكم هي: المستوى الاتحادي، والإقليمي، والولائي، والمحلي، إلى جانب مجلس السيادة بوصفه رأس الدولة خلال الفترة الانتقالية.
كما نص الدستور على انعقاد مؤتمر الحكم والإدارة لمناقشة قضايا إعادة هيكلة الدولة وتطوير نظم الحكم، فضلاً عن إعداد حزمة من القوانين الأساسية، من بينها القانون الإطاري للحكم، وقانون الإدارة الأهلية، وقانون الضابط الإداري، وقانون قسمة الموارد، وغيرها من التشريعات التي خضعت لدراسات وورش عمل متخصصة، غير أن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر أوقف مسار هذه الإصلاحات ومنع اكتمالها.
إيجابيات دستور 2020 الانتقالي
1. إقراره لمبدأ اللامركزية والفدرالية كخيار لإدارة الدولة.
2. الإبقاء على القوانين السارية إلى حين تعديلها أو استبدالها.
3. النص على انعقاد مؤتمر الحكم والإدارة لمعالجة قضايا بنية الدولة.
4. إلغاء منصب المعتمد واستبداله بهياكل أكثر توافقاً مع النظام اللامركزي.
5. النص على إنشاء لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد.
6. تحديد الفترة الانتقالية بأربع سنوات وصولاً إلى التحول الديمقراطي.
7. التأكيد على رفض الانقلابات العسكرية وتجريمها سياسياً ودستورياً.
8. النص على حل المؤتمر الوطني وواجهاته السياسية والتنظيمية.
9. وضع معايير لشاغلي المناصب السيادية والتنفيذية والقيادية في الخدمة المدنية.
10. منح مجلس الوزراء صلاحيات تنفيذية واسعة، مع قصر دور مجلس السيادة على المهام الإشرافية والسيادية.
دستور السودان التأسيسي لسنة 2025م
جاء دستور السودان التأسيسي لسنة 2025م في سياق البحث عن معالجة جذرية لأزمات الدولة السودانية، مستنداً إلى رؤية تقوم على إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تضمن العدالة والمواطنة والمشاركة المتوازنة بين الأقاليم.
أبرز ما يميز دستور 2025
1. إقراره لمبادئ فوق دستورية تشمل اللامركزية، والديمقراطية التعددية، والعلمانية، ومنع الانقلابات العسكرية، والوحدة الطوعية.
2. منح الأقاليم سلطات وصلاحيات أوسع في إدارة شؤونها.
3. تحديد أربعة مستويات للحكم هي: المستوى الرئاسي، والاتحادي، والإقليمي، والمحلي.
4. النص على قيام جمعية تشريعية تتكون من مجلس النواب ومجلس الأقاليم.
5. تقليص الهياكل السياسية والإدارية بما يسهم في رفع كفاءة الأداء الحكومي.
6. تخصيص نسب عادلة لتمثيل المرأة في مؤسسات ومستويات الحكم المختلفة.
ملاحظات على دستور 2025
على الرغم من المزايا العديدة التي تضمنها الدستور، إلا أن هناك بعض القضايا التي تستوجب المراجعة والتطوير، ومن أبرزها اتساع صلاحيات حكام الأقاليم مقارنة بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء، خاصة في ظل عضوية الحكام في المجلس الرئاسي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تداخل الاختصاصات وازدواجية مراكز اتخاذ القرار، بما ينعكس سلباً على الانسجام المؤسسي وكفاءة الإدارة العامة.
مقترحات للتطوير والإصلاح
مع اكتمال مؤسسات الدولة التشريعية، وخاصة الجمعية التشريعية التأسيسية، يصبح من الضروري إجراء مراجعات دستورية تعالج أوجه القصور وتدعم استقرار النظام الفدرالي، وذلك من خلال:
1. الفصل بين عضوية المجلس الرئاسي ومناصب حكام الأقاليم، بما يضمن استقلالية المستويين الرئاسي والإقليمي ويمنع تضارب المصالح.
2. إخضاع جميع مكونات الجهاز التنفيذي، بما في ذلك الوزراء وحكام الأقاليم، للإشراف المباشر لرئيس مجلس الوزراء باعتباره المسؤول الأول عن الأداء التنفيذي للدولة.
3. إعادة النظر في المستوى الولائي، سواء بالإبقاء عليه وفق رؤية واضحة أو العودة إلى نظام الأقاليم والمحافظات ضمن نموذج فدرالي متماسك.
4. في حال إلغاء الولايات، ينبغي اعتماد نظام المحافظات على أسس علمية تراعي عدد السكان، والمساحة الجغرافية، والموارد الاقتصادية، والبنية التحتية، ومؤشرات التنمية، بما يضمن عدالة التوزيع وكفاءة الإدارة.
5. مواءمة التشريعات والقوانين المنظمة للحكم اللامركزي مع النصوص الدستورية الجديدة لضمان الاتساق بين البناء الدستوري والإطار القانوني.
خاتمة
إن نجاح مشروع الحكم اللامركزي الفدرالي في السودان لا يتوقف على النصوص الدستورية وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية ورؤية وطنية شاملة تعالج جذور التهميش التاريخي وتؤسس لمؤسسات قادرة على تمثيل التنوع السوداني وإدارة موارده بعدالة وكفاءة. كما أن تطوير التجربة الفدرالية يظل رهيناً بالمراجعة المستمرة للتشريعات والهياكل بما يحقق التوازن بين وحدة الدولة وحق الأقاليم في إدارة شؤونها والمشاركة الفاعلة في صناعة القرار الوطني.
المراجع والمصادر
– دساتير السودان وقوانينه للأعوام: 1971، 1981، 1991، 1998، 2005، 2019 المعدل 2020، و2025.
– علي عبدالله الحاكم: تجارب السودان في اللامركزية والحكم الإقليمي والفدرالي.
– محمد أحمد محجوب: الحكومة المحلية في السودان، 1945.
– إبراهيم محمد الحاج: التجربة الديمقراطية وتطوير نظم الحكم في السودان.
– علي حسن عبدالله: الحكم المحلي في السودان.
– جعفر محمد علي بخيت: فلسفة الحكم الشعبي المحلي.
– مذكرة الأستاذ عثمان خيري حول المحلية ونقل السلطات وتدعيم اللامركزية.
– مركز التدريب المركزي – معهد الإدارة العامة.هذه الصياغة مناسبة للنشر الصحفي أو كحلقة بحثية ضمن سلسلة مقالات تتناول قضايا الحكم والإدارة وإعادة تأسيس الدولة السودانية.




