رأي

بين الثورة والمحاسبة : الصمت عن الأخطاء مشاركة في إضعاف مشروع التغيير

نجم الدين دريسة

 

  1. نجم الدين دريسة 

السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة

أخطر أعداء التغيير أولئك الذين يتحدثون باسمه ويمارسون نقيضه

لم يكن مشروع السودان التأسيسي مجرد تحالف سياسي فرضته ظروف الحرب أو توازنات اللحظة التاريخية، بل جاء باعتباره مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة السودانية من جذورها، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين المركز والأطراف. ولذلك فإن أي نقد يُوجَّه إلى مؤسسات هذا المشروع لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافاً له، بل دفاعاً عنه وحمايةً لمستقبله. فالمشروعات الكبرى لا تنهار بسبب النقد، وإنما تنهار عندما تتوقف عن الاستماع إليه.

لقد ظللنا، وسنظل، نشيد بكل خطوة صحيحة تصب في خدمة المواطنين وتدعم مسار التغيير. كما لا يمكن إنكار أن كثيراً من الإدارات المدنية عملت في ظروف استثنائية ومعقدة، وسط أوضاع أمنية واقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة. غير أن الاعتراف بالجهد لا يعني منح حصانة من المحاسبة، كما أن الإشادة بالإنجاز لا تعني الصمت عن الأخطاء. فالفرق بين الدولة القديمة والدولة الجديدة هو أن الأولى كانت تعتبر النقد جريمة، بينما تعتبره الثانية ضرورة للإصلاح.

ومن هذا المنطلق، فإن من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها حكومة السلام الإبقاء على تجربة الإدارات المدنية بالشكل الذي استمرت به حتى اليوم. ربما كانت هناك مبررات ظرفية في بداية المرحلة الانتقالية، لكن استمرار هذه التجربة دون مراجعة جذرية فتح الباب أمام كثير من التشوهات التي بدأت تظهر بصورة متزايدة في عدد من المواقع.

إن المشكلة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في طبيعة البناء الإداري نفسه. فالتجارب الانتقالية عبر التاريخ أثبتت أن الهياكل المؤقتة إذا طال بقاؤها تتحول تدريجياً إلى مراكز نفوذ ومصالح، وتصبح أكثر انشغالاً بالحفاظ على مواقعها من انشغالها بتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. وهذه ليست نظرية سياسية مجردة، بل حقيقة أثبتتها عشرات التجارب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وحين ننظر إلى بعض الممارسات التي بدأت تتسرب إلى المشهد الإداري، نجد أنفسنا أمام مؤشرات مقلقة لا يجوز تجاهلها. فهناك حديث متزايد عن المحسوبية، وعن تفضيل الأقارب والمقربين، وعن تكوين دوائر ضيقة من المنتفعين، وعن تعيينات لا تستند دائماً إلى معايير الكفاءة والاستحقاق. وربما تكون بعض هذه الوقائع بحاجة إلى تحقيق وتدقيق، لكن مجرد وجود هذا القدر من الشكوك كافٍ ليفرض مراجعة شاملة وحاسمة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي ثورة هو أن تبدأ في إعادة إنتاج الأدوات نفسها التي خرجت لمحاربتها. فما الفرق بين نظام كان يقوم على الولاء الشخصي ونظام يسمح بعودة الولاء الشخصي؟ وما الفرق بين دولة كانت تدار بالمحسوبية ودولة تتسامح مع المحسوبية؟ وما الفرق بين سلطة كانت تحتكر الفرص لصالح مجموعات محددة وسلطة تسمح بتكوين شبكات نفوذ جديدة تحت مسميات مختلفة؟

لقد خرج السودانيون من أجل تغيير قواعد اللعبة نفسها، لا من أجل استبدال اللاعبين فقط. ولذلك فإن أي ممارسة تعيد الاعتبار للولاءات الضيقة تمثل تهديداً مباشراً لفكرة السودان التأسيسي ولجوهر مشروع التغيير.

وهنا يجب التوقف عند قضية بالغة الأهمية، وهي قضية الانتماء. فالسودان لم يصل إلى ما وصل إليه بسبب نقص الموارد أو ضعف الإمكانيات، وإنما بسبب انتصار الانتماءات الصغيرة على الانتماء الوطني الجامع. وحين يصبح الانتماء القبلي أكبر من الانتماء للوطن، والانتماء الجهوي أكبر من الانتماء للدولة، والانتماء الإثني أكبر من الانتماء للمشروع الوطني، فإن الفشل يصبح النتيجة الطبيعية مهما كانت النوايا حسنة.

إن مشروع السودان التأسيسي لن ينتصر إلا إذا أصبح الانتماء إليه فوق كل الانتماءات الأخرى. فوق القبيلة، وفوق الجهة، وفوق الإثنية، وفوق المصالح الشخصية، بل وحتى فوق الانتماءات المهنية والتنظيمية. لأن الدولة لا تُبنى بالعصبيات، وإنما تُبنى بالمواطنة والقانون والمؤسسات.

ولعل ما قاله المهاتما غاندي قبل عقود طويلة يلخص جوهر هذه المسألة عندما أكد: “إن أردت التغيير فلتكن أنت التغيير”. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الخطب والبيانات، وإنما يبدأ من السلوك والممارسة. لا يمكن أن نطالب بدولة العدالة ونحن نتسامح مع الظلم، ولا يمكن أن نطالب بدولة الكفاءة ونحن نقبل بالمحسوبية، ولا يمكن أن نحارب الفساد في خصومنا ثم نصمت عنه عندما يظهر بين صفوفنا.

إن المنهج العلمي في تقييم التجارب السياسية والإدارية لا يقوم على العواطف أو المجاملات، بل يقوم على الوقائع والمؤشرات. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات أو إطلاق الأحكام المسبقة، وإنما فتح ملفات المراجعة على مصراعيها. مراجعة الإيرادات وكيفية تحصيلها، ومراجعة أوجه الصرف، ومراجعة العقود والتعيينات والترقيات، ومراجعة الأداء المؤسسي بصورة شاملة.

كما أن من الضروري إخضاع المسؤولين كافة لمبدأ الإفصاح والشفافية، ومراجعة الذمم المالية والأصول والعقارات والحسابات المرتبطة بشاغلي المناصب العامة. فالمسؤول الذي يدير المال العام يجب أن يكون أول من يقبل بالمحاسبة وأول من يخضع للرقابة.

إن الشرعية الثورية لا تمنح أحداً امتيازاً فوق القانون، بل تضع على عاتقه مسؤولية أكبر. ومن يظن أن دوره في النضال أو موقعه السياسي يمنحه حصانة من المساءلة لم يفهم جوهر الثورة التي يدعي الانتماء إليها. فالثورات لا تقوم من أجل استبدال طبقة محصنة بأخرى، وإنما تقوم من أجل إنهاء فكرة الحصانة السياسية نفسها.

إن أكبر خطر يواجه مشروع السودان التأسيسي اليوم ليس خصومه المعلنين، وإنما احتمال تسلل أمراض الماضي إلى داخله. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الثورات سقطت ليس لأنها هُزمت عسكرياً أو سياسياً، بل لأنها فشلت في محاربة الفساد داخل صفوفها، وفشلت في التمييز بين الولاء للمشروع والولاء للأشخاص.

ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن مشروع السودان التأسيسي لا يكون بالتبرير، بل بالمراجعة. ولا يكون بإخفاء الأخطاء، بل بكشفها. ولا يكون بحماية المسؤولين، بل بحماية المبادئ. فالمشروعات التاريخية العظيمة لا تبقى لأنها بلا أخطاء، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأخطائها وتصحيحها.

إن اللحظة الراهنة تتطلب قراراً شجاعاً بإعادة تقييم تجربة الإدارات المدنية من جذورها، وإخضاعها لمراجعة مؤسسية مستقلة، ووضع معايير صارمة للشفافية والكفاءة والمحاسبة. فالثورة التي لا تراجع نفسها تفقد قدرتها على الاستمرار، والمشروع الذي لا يحاسب أبناءه يفقد شرعيته الأخلاقية، والدولة التي تتسامح مع الفساد الصغير تفتح الباب واسعاً أمام الفساد الكبير.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين مشروع السودان التأسيسي وخصومه فقط، بل بين قيم التأسيس نفسها وبين كل ما يحاول إعادة إنتاج الماضي داخل مؤسسات المرحلة الجديدة. ومن ينتصر لهذه القيم عليه أن يدرك أن الإصلاح يبدأ من الداخل، وأن حماية المشروع تبدأ بمحاسبة المقصرين، وأن الثورة التي لا تتجدد بالنقد والمراجعة محكوم عليها بأن تتحول إلى نسخة أخرى مما ثارت عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!