
ابو عبدالله الراشدي
أفادت تقارير أممية بوجود مزاعم تتعلق بوقوع انتهاكات واستغلال جنسي مرتبط بالحصول على المساعدات الإنسانية داخل مواقع النزوح بمدينة طويلة في ولاية شمال دارفور. وإذا ثبتت صحة هذه المزاعم، فإنها تمثل واحدة من أكثر الصور إيلاماً للمأساة الإنسانية، لأن النازح في الأصل ضحية للحرب والنزوح وفقدان المأوى ومصادر الرزق، ولا يجوز بأي حال أن يتحول احتياجه إلى الغذاء والدواء والإيواء إلى وسيلة للابتزاز أو الإذلال أو الاستغلال. إن هذا الأمر غاية في الأسف، ويستوجب تحركاً عاجلاً من المنظمات المحلية والدولية العاملة في الفضاء الإنساني لمعالجة مثل هذه الكوارث، وضمان ألا تتحول المساعدات إلى أداة للإساءة بدلاً من أن تكون وسيلة للحماية والإنقاذ.
إن العمل الإنساني يقوم على مبادئ راسخة، في مقدمتها الإنسانية والحياد والنزاهة واحترام كرامة الإنسان، ولذلك فإن أي سلوك ينتهك هذه المبادئ لا يسيء إلى الضحايا وحدهم، بل يضرب الثقة في المنظومة الإنسانية بأكملها، ويقوض الجهود الكبيرة التي يبذلها آلاف العاملين الشرفاء في مجال الإغاثة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن برنامج الأغذية العالمي شرع في اعتماد إجراءات جديدة للإبلاغ عن الانتهاكات المحتملة، مع تعزيز آليات استقبال الشكاوى، وتوفير ضمانات لحماية المبلّغين والناجين، وتدريب فرق الحماية على التعامل مع مثل هذه القضايا وفق معايير مهنية تراعي السرية والكرامة. وهي خطوات مهمة تعكس إدراكاً لخطورة هذه المزاعم، غير أن نجاحها يظل مرهوناً بالتطبيق الصارم، وسرعة التحقيق، ومحاسبة أي شخص يثبت تورطه دون تهاون أو استثناء.
إن النساء والفتيات النازحات يواجهن ظروفاً قاسية فرضتها الحرب، ويعشن في بيئة تفتقر إلى كثير من مقومات الحماية، الأمر الذي يزيد من تعرضهن لمخاطر متعددة. ومن هنا تصبح مسؤولية المجتمع الإنساني مضاعفة، ليس فقط في توفير الغذاء والدواء، وإنما أيضاً في توفير بيئة آمنة تحفظ الكرامة وتصون الحقوق.
كما أن تعزيز آليات الرقابة المستقلة، وتوسيع قنوات الشكاوى، وإشراك المجتمعات المحلية والقيادات النسائية في متابعة عمليات توزيع المساعدات، كلها إجراءات ضرورية للحد من أي تجاوزات محتملة وتعزيز الشفافية والمساءلة.
إن كرامة الإنسان لا تقل أهمية عن حاجته إلى الغذاء. فالنازح الذي فقد منزله وأمنه وأهله لا ينبغي أن يُجبر على دفع أي ثمن مقابل حق تكفله القوانين الإنسانية الدولية. ولذلك فإن أي ادعاءات من هذا النوع تستوجب تحقيقات مستقلة ونزيهة، تكشف الحقيقة كاملة، وتحاسب المسؤولين إن ثبتت الوقائع، مع توفير الدعم والحماية للضحايا.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه التطورات إلى نقطة انطلاق لتعزيز منظومة الحماية الإنسانية، وأن تتكاتف المنظمات الدولية والوطنية، إلى جانب المجتمعات المحلية، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بكرامة وعدالة، بعيداً عن أي شكل من أشكال الاستغلال أو الابتزاز. فالغاية من العمل الإنساني هي حماية الإنسان، لا زيادة معاناته، وصون كرامته، لا المساس بها.




