رأي

دبلوماسية توازن المصالح “للتحرر من التبعية” والتخلص من ارتهان المحاور والأيدلوجية

مهدي عبدالله حامد

 

مهدي عبدالله حامد 

تستيقظ الأمم من سباتها عندما تُدرك أن كرامتها تكمن في استقلال قرارها ، وحينما توقن أن السيادة الوطنية ليست نصوص دستورية جامدة ، ولا حتى هي خطاب سياسي يستهلك في المناسبات الوطنية ويعرض في الفعاليات الرسمية ، فالسيادة هي ممارسة يومية تعكس إرادة شعب يرفض أن يكون صدى لصوت غيره ، وإزاء هذه المفاهيم فإنَّ بلادنا تقف اليوم أمام منعطف تاريخي للفصل بين ماضي الارتهان الأيدولوجي ، والتبعية العمياء ، لأجل التحرر والإنعتاق من هذه المتاهة ، الأمر الذي يتطلب منا شجاعة في الطرح وحصافة في الرؤية ، لننفض غبار عقود من الارتهان الذي جعل من بلادنا مساحة لتصفية حسابات الآخرين وحديقة خلفية لطموحات مستوردة تتعارض مع خصوصيتنا ، الأمر الذي يستوجب على عملية “التأسيس” الجارية الآن بأن لا تكن شعار سياسي مرحلي وانما لتكن صرخة ميلاد لدولة وطنية تؤمن بأن مصلحة السُّودان هي القطب الذي تتوجه إليه كل البوصلات ، وهي الغاية التي تهون من أجلها التضحيات الجسام، إذ لا يمكن بناء مستقبل وضاء على ركائز هشة من التبعية التي أورثتنا الفقر والتشرذم والضياع.

 

وهنا ، حريَّ بنا ان نستيقن فلقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدول التي ترهن قرارها لمحاور أيدلوجية أو قوى خارجية تنتهي دائما كأدوات في يد اللاعبين الكبار ، مما يفقدها قدرتها على المناورة وحماية أمنها القومي ، الوضع الذي يفرض على الوعي السياسي الجديد الذي تتبناه “تأسيس” بأن يرتكز على فهم عميق للواقع الجيوسياسي ، فالضرورة تحتم عليها أن تسعى لترميم الذات الوطنية وتخليصها من قيود الماضي التي كبلت الإرادة السُّودانية طويلا لأننا في حاجة ماسة لصياغة عقد جديد مع العالم ، عقد يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ، لأجل أن يتوارى منطق “التابع والمتبوع” ليحل محله منطق الشريك الندّي الذي يُدرك مكامن قوته ويحسن استثمارها لخدمة شعبه وتنمية بلاده ، بعيدا عن الصراعات الصفرية التي استنزفت مواردنا وعطلت مسيرة نمونا.

 

ومن نافلة القول ، إننا عندما نستعرض سجل السُّودان القديم ، نجد أن التخبط الدبلوماسي بلغ ذروته حينما انخرطت الدولة في محاور أيدلوجية تتجاوز حدود الوطن ، مثل محور المقاومة الإيراني والتنظيمات الإسلاموية التي وضعت مصالح التنظيم فوق هموم الشعب والوطن ، الوضع الذي أدى إلى عزل السُّودان دوليا ، وجعل منهُ داء منبوذ في الساحة العالمية ، نتيجة للقفز فوق فكرة الدولة الوطنية والارتهان لأجندات لا تخدم المواطن في قراه ولا مدنه وفرقانه ، ولقد دفع الإنسان السُّوداني ثمنا باهظا من أمنه واستقراره بسبب مغامرات سياسية جعلت من البلاد منصة لأنشطة تتصادم مع المجتمع الدولي ، مما يتطلب ضرورة فك هذا الارتباط المشبوه واستعادة روح الدولة التي تحترم سيادتها وتلتزم بالقانون الدولي ، لضمان حماية قضايا الشعوب السُّودانية من عبث الأيدلوجيات التي لا وطن لها.

 

وبأي حال فلا يمكننا قراءة المشهد الدبلوماسي دون التوقف عند العلاقة مع مصر جارة السوء، التي اتسمت عبر العقود بنوع من التبعية التي أضعفت استقلال القرار الوطني السُّوداني ، فحولته إلى رهينة لها وخدمة مصالحها في إطار علاقة شابتها الوصاية المستترة التي حالت دون قدرة السُّودان على رسم مسار خارجي يحقق تطلعاته الاقتصادية والسياسية بمعزل عن حسابات القاهرة القائمة على التبعية والانقياد والارتهان الذي جعل القرار السُّوداني صدى للسياسة المصرية في المحافل الدولية ، مما أضر بمصالحنا الحيوية وعطل قدرتنا على بناء علاقات متوازنة مع بقية دول العالم ، وهذا الوضع يحتم علينا مراجعة هذه العلاقة وتصحيح مسارها ليكون الاحترام المتبادل هو سيد الموقف بعيدًا عن أكاذيب التكامل والتضامن الذي صمم لخدمة أهدف مصر لوحدها.

 

فمن واجبنا اليوم ، أن نتبع دبلوماسية توازن المصالح كمخرج وحيد من هذه المتاهة ، فلا حياد عنها بغية أن يتم الانفتاح على العالم الحر وبناء شراكات ذكية تقوم على تبادل المنافع والندية السياسية التي تضع السُّودان في مركزه الطبيعي كدولة فاعلة ومستقلة ، ترفض الانخراط في سياسة المحاور وتتمسك بقرارها السيادي في مواجهة الضغوط الخارجية ، فنحن نتطلع إلى بناء جسور التواصل مع القوى العالمية بناءً على ما يمكن أن يقدمه السُّودان وما يمكن أن يجنيه من فوائد ، مع التأكيد على احترام المحيط الإقليمي ودول الجوار في إطار من السيادة الكاملة ، هذا النهج يتطلب وعيا بمتطلبات العصر وقدرة على قراءة المتغيرات الدولية ، لضمان أن يظل السُّودان وطنا شامخا لا يرتهن إلا لإرادة شعبه ومصالحه العليا.

 

لجهة أن يبقى الوطن هو الباقي وتزول كل المحاور والأيدلوجيات التي حاولت اختطاف إرادته ، فالشعوب الواعية هي التي تصنع قدرها بيديها ولا تنتظر من الآخرين رسم خارطة طريقها ، ولمعالجة هذا الوضع لابد من القطيعة مع الإرث الثقيل الذي ورثناه من السُّودان القديم ، حتى يكون هذا الوضع درسا قاسيا يحفزنا على التمسك باستقلالنا ، ويقوي عزيمتنا في بناء دولة المؤسسات التي لا تعرف التبعية ولا تقبل بالارتهان لأي جهة كانت ، كما يقال “من لا يملك قراره لا يملك حريته” فنحن في هذا “التأسيس” قد اخترنا طريق الحرية والكرامة ، لنثبت للعالم أن السُّودان قادر على النهوض من جديد ، متسلحا برؤية ثاقبة وإرادة لا تلين، ليحتل مكانه اللائق بين الأمم كدولة ذات سيادة واحترام.

 

فلا ريب إنُّ المنارة التي نهتدي بها في حاضرنا ومستقبلنا هي مصلحة الإنسان السُّوداني وحقه في العيش في وطن حر ومستقل ، في بلد لا يُساق خلف الشعارات الزائفة أو الأجندات العابرة للقارات ، ولنمد أيدينا للعالم بقلوب مفتوحة وعقول يقظة ، نطلب التعاون ونرفض الإملاءات ، وننشد السلام القائم على العدل والسيادة ، ليكون السُّودان نموذجا للدولة التي انتصرت لذاتها وخرجت من دياجير التبعية إلى ضياء الاستقلال ، ولنتذكر دائما أن عظمة الأمم تُقاس بمدى صمودها أمام الأعاصير وانما بتمسكها بهويتها الوطنية ، وهذا هو العهد الذي نقطعه على أنفسنا ، أن يظل السُّودان سيدًا في قراره ، وقويا بمبادئه ، ومنفتحا على المستقبل بكل ثقة وجدارة ، والضرورة تستلزم أن نحّول هذا الطرح من كلمات على الورق إلى واقع معاش تفتخر به الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!