رأي

يسقط الجيش عقبة السودان الكؤود غير مأسوف عليه!!!!

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

     لم تكن شعارات ثوار ديسمبر في محيط القيادة العامة مجرد هتافات غضب عابرة، بل كانت خلاصة تجربة تاريخية طويلة ومؤلمة. حين صدحت الحناجر بـ«معليش معليش ما عندنا جيش» و«الجيش جيش الكيزان ما جيش السودان»، كان الثوار يعلنون، بوعيٍ جارح، حقيقة مؤسسة فقدت معناها الوطني وتحولت من جيش دولة إلى جيش سلطة، ومن أداة حماية إلى أداة قمع. هذه المقالة ليست انفعالًا آنيًا ولا خطاب كراهية، بل تشريحًا سياسيًا وتاريخيًا لجذر الأزمة السودانية: المؤسسة العسكرية بوصفها العقبة الكأداء أمام تحرر الشعوب السودانية وبناء الدولة المدنية.

حين يوجّه الجيش سلاحه إلى شعبه

منذ الاستقلال، لم يعرف السودان استقرارًا سياسيًا حقيقيًا، لأن الجيش لم يقبل يومًا بدوره الطبيعي كمؤسسة مهنية تخضع للسلطة المدنية. كان دائمًا لاعبًا سياسيًا، وحاكمًا فعليًا، وحَكمًا منحازًا لنفسه. ثلاث ثورات شعبية كبرى اندلعت في وجه أنظمة عسكرية أو محمولة على أكتاف الجنرالات: أكتوبر 1964 ضد إبراهيم عبود، أبريل 1985 ضد جعفر نميري، وديسمبر 2018 ضد عمر البشير. اختلاف الأسماء لم يغيّر جوهر المأساة: عسكرة السياسة وتجريف المجال المدني وإقصاء الإرادة الشعبية.

لم يكن الجيش وسيطًا محايدًا بين الشعب والسلطة، بل كان طرفًا أصيلًا في قمع الشعب ومصادرة قراره. وكل مرة كان يُسقط فيها نظام عسكري، يعود الجيش من النافذة بعد أن طُرد من الباب، وكأن الدولة حكرٌ عليه، وكأن الشعب ضيف ثقيل في وطنه.

الدولة التي يحكمها الجنرال، تُدفن فيها السياسة 

لم تكن الحروب التي خاضها الجيش السوداني حروبًا دفاعية عن الوطن، بل حروبًا ضد شعوبه. منذ أغسطس 1955، شنّ حربًا طويلة على شعب جنوب السودان، حربًا لم تتوقف فعليًا إلا لعشر سنوات هي عمر اتفاقية أديس أبابا. النتيجة كانت كارثية: قرابة مليوني قتيل، نصفهم من المدنيين، وجرائم اغتصاب وقتل على أساس الهوية، وانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وبعد انفصال الجنوب، لم يتوقف العنف، بل أعاد إنتاج نفسه في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور. القاسم المشترك كان دائمًا واحدًا: شعوب مهمشة، مطالب عادلة، وردّ عسكري دموي. كل احتجاج سلمي وُصم بالتمرد، وكل مطالبة بالعدالة قوبلت بالقصف الجوي والحصار والتجويع. هكذا تحولت الدولة إلى أداة عنف مركزي ضد الأطراف، بدل أن تكون إطارًا جامعًا للتنوع.

الهامش لم يحمل السلاح عبثًا، بل حمله حين أُغلقت كل الأبواب.

لم تكن جذور الصراع في السودان ثقافية أو عرقية بحتة، بل سياسية واقتصادية في المقام الأول. التهميش التنموي، والمركزية الخانقة، واحتكار القرار السياسي والثروة لصالح نخب محدودة، دفعت المجتمعات المهمشة إلى اتخاذ مواقف راديكالية. غير أن الجيش تعامل مع هذه الأزمات بعقلية أمنية صِرفة، فحوّل المطالب السياسية إلى ساحات قتال، ووسّع الشرخ الاجتماعي بدل معالجته.

فشل الجنرالات في إدارة التنوع، وفشلوا في تحويل الموارد إلى تنمية، حتى صار السودان مثالًا صارخًا لما يُعرف بـ«لعنة الموارد». موارد كان يمكن أن تكون نعمة، تحولت إلى وقود حروب وصراعات لا تنتهي.

جيش بلا محاسبة هو عصابة بزي رسمي.

لم يكتفِ الجيش بالسيطرة السياسية، بل تمدد إلى الاقتصاد، محولًا الدولة إلى غنيمة. تجارة الفحم، وحطب الوقود، والأخشاب، والثروة الحيوانية، والمحاصيل النقدية، والمعادن والذهب، كلها خرجت من باطن الأرض ومن عرق الفلاحين والرعاة، دون أن يدخل إلى الخزانة العامة ما يستحق الذكر. شاحنات الجيش التي جابت المدن والأحياء لبيع الفحم لم تكن مشهدًا عابرًا، بل دليلًا فاضحًا على تحلل مؤسسة يفترض أن تحمي البيئة لا أن تدمرها.

حتى الآثار، ذاكرة السودان العريقة، لم تنجُ من العبث والتهريب. اقتصاد ظلّ عسكري نشأ خارج الرقابة والمساءلة، وحوّل الجيش من مؤسسة وطنية مفترضة إلى كيان ريعي يعيش على النهب.

من نهب الموارد لا يمكن أن يحرس السيادة.

إلى جانب فساده الداخلي، تحول الجيش إلى مؤسسة مخترَقة سياسيًا وأيديولوجيًا، وسهلة الاستخدام كأداة للتدخلات الخارجية، وعلى رأسها التدخل المصري. أراضٍ سودانية مثل حلايب وشلاتين وأبورماد اغتُصبت، والسيادة انتُهكت، بينما ظل الجيش صامتًا، لا يحترف إلا قتل شعبه في الداخل. مواقف السودان الخارجية جرى توجيهها بما يخدم مصالح غيره، في مشهد يُجسد دولة بلا قرار و«جيشًا» بلا وطنية.

حين تسقط البروباغندا، يظهر الجلاد عاريًا.

جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتكشف العُري الكامل لهذه المؤسسة. أكثر من عشرة أشهر من القتال أظهرت جيشًا مرتبكًا، عاجزًا عن الحسم، لا يجيد سوى قصف المدن بالطيران وتدمير البنية التحتية وقتل المدنيين. سقطت أسطورة «حامي الوطن»، وظهر واقع مؤسسة انتقامية، تعوّض فشلها العسكري باستهداف الأبرياء.

هذه الحرب لم تكشف ضعف الجيش فحسب، بل فضحت زيف السردية التي صُنعت حوله لعقود.

الإبادة ليست خطأً ميدانيًا، بل قرارًا سياسيًا.

تقرير CNN الصادر في ديسمبر 2025 وضع العالم أمام حقيقة دامغة لما جرى في ولاية الجزيرة. جثث مدنيين مكبلي الأيدي، تطفو في القنوات المائية، إعدامات ميدانية بعد انتهاء المعارك، ولغة عنصرية صريحة تستهدف المجتمعات غير العربية، وعلى رأسها الكنابي. هذه الوقائع لا يمكن تفسيرها كـ«انتهاكات فردية»، بل كنمط ممنهج يشير إلى جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان.

الأخطر أن القيادة العليا للقوات المسلحة، بما فيها عبد الفتاح البرهان، كانت على علم بهذه الجرائم، ولم تُفتح أي تحقيقات جادة، ولم يُحاسب أي قائد. الصمت هنا ليس تقصيرًا، بل تواطؤ.

لا مستقبل لسودان مدني بجيشٍ عقيدته معاداة المدنيين.

على الرغم من التوثيق الواسع لهذه الفظائع، ما تزال العدالة بعيدة المنال. المجتمع الدولي يكتفي بالإدانة، بينما تستمر الجرائم دون رادع. غير أن الحقيقة الأوضح اليوم هي أن هذه المؤسسة، ببنيتها وعقيدتها وممارساتها، غير قابلة للإصلاح. المشكلة ليست في أفراد، بل في عقيدة ترى الشعب عدوًا، والسلطة غنيمة، والمحاسبة خطرًا يجب تجنبه.

الحل الوحيد هو تفكيك هذه البنية وبناء جيش جديد من الصفر: جيش مهني، قومي، غير مسيّس، يخضع لسلطة مدنية كاملة، عقيدته حماية الإنسان لا حماية الجنرال، وتمويله شفاف، وسلاحه تحت رقابة الشعب، مع محاسبة شاملة لكل الجرائم بلا استثناء.

بدون ذلك، سيظل السودان أسير دائرة الدم، وستظل الدولة رهينة بندقية فاسدة. هذا ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل خلاصة تاريخ دامٍ يقول بوضوح: لا دولة مدنية مع جيشٍ يعادي المدنيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!