
مهندس جبريل حسن أحمد
لأكثر من ستين عاماً ونحن نسمع عن “العمق الاستراتيجي المصري” في السودان. لكن ما لم يقله ساسة القاهرة أن هذا “العمق” تحوّل في عهد السيسي إلى “ساحة قصف مفتوحة”. فبعد احتلال حلايب، وسرقة مياه النيل، جاء الدور على دم السودانيين. طائرات مصرية تعبر حدودنا، تقصف مواقع المعدنين داخل الأراضي السودانية، ثم تعود لتتفاخر بحماية “الأمن القومي”. أي أمنٍ هذا الذي يُبنى على جث الفقراء وأزمات الجوار؟
المشهد واضح وبسيط: معدنون سودانيون في صحراء الشمالية، يحملون المعاول ويبحثون عن لقمة عيش حلال تحت الشمس الحارقة. لا يحملون سلاحاً، ولا ينتمون لأطراف الحرب. هم ضحايا فقر وأزمة وطنية صنعها الفشل والفساد. فجأة، ينقضّ سلاح الجو المصري ويلقي حممه عليهم. تحرق الأجساد، وتشوي الأحلام، وتترك الأمهات يبكين على أبناء لم يذنبوا إلا أنهم وُلدوا في وطن منهك وممزق.
تسميها القاهرة “ضربة استباقية ضد المهربين”. لكن الحقيقة أنها جريمة حرب كاملة الأركان. القانون الدولي لا يبيح قتل المدنيين العُزّل بحجة “الشك”. ودم كل شهيد سقط في تلك الصحراء سيظل لعنة تطارد من أمر، ومن نفّذ، ومن برّر. الصلف المصري ليس جديداً، لكنه بلغ الذروة الآن. بعد أن فشلت القاهرة في إدارة ملف النيل بالسياسة، وعجزت عن ابتلاع حلايب بالكامل، وخاب رهانها على دعم البرهان، قررت أن تفرض إرادتها بالطيران والصواريخ.
هذه الغطرسة تقوم على أوهام. تظن القاهرة أن السودان الغارق في حرب 15 أبريل عاجز عن الرد، فتستغل انشغالنا بالاقتال الداخلي وتدخل لتقصف وتقتل بلا حساب. وتتعامل مع أجوائنا كأنها “منطقة عسكرية مصرية” تعبر متى تشاء وتضرب من تشاء، ثم تخرج لتبرر بـ”حماية الحدود”. كأن حدودنا مباحة، ودماءنا رخيصة. وهذا “العمق” الذي فتحه البرهان بخيانته الوطنية هو أغرب سلوك ارتزاق في تاريخنا. وتظن أن التاريخ سينسى، لكن الشعوب لا تنسى من قصفها وهي جريحة. ولن ينسى السودانيون أن أول رئيس مصري يقصف أراضيهم في القرن الـ21 هو عبد الفتاح السيسي.
ما تفعله مصر اليوم هو النموذج الكلاسيكي لاستغلال جراح الآخرين. تدعم طرفاً في بورتسودان، وتستضيف مؤتمرات “العين السخنة” لتقسيم السودانيين. تضغط في ملف النيل وسد النهضة، وتستفيد من فوضى التصدير والتهريب. وأخيراً تقصف المعدنين، وتختبر صبر الشعب، وتقيس رد فعل العالم. الهدف غير المعلن واحد: سودان ضعيف، ممزق، تابع. سودان لا يقول “لا” عندما تُسرق مياهه، ولا يقول “ارحل” عندما تُحتل أرضه. لكن القاهرة تنسى قاعدة التاريخ: الدول التي تُبنى على أنقاض جيرانها، مصيرها أن تُدفن تحت نفس الأنقاض.
فليعلم السيسي ونظامه أن كل قطرة دم سالت بقصفكم ستتحول إلى صخرة في طريقكم. وحلايب التي تحمونها بالقصف ستعود رغم أنوفكم، لأن الشعوب لا تُقهر بالطائرات. واليوم قد تعبر طائراتكم حدودنا فوق سماء الشمالية دون إذن، لكن غداً ستكون هدفاً مشروعاً. وحق الرد مكفول لنا زماناً ومكاناً. نعم، نحن اليوم منشغلون بحرب داخلية قاسية، لكن عندما نطفئ هذه النار سنتذكر من ألقى الزيت عليها. وسنتذكر من قصف الضعيف وهو يبحث عن رزقه.
السودان ليس “عمقاً استراتيجياً” لمصر. السودان وطن قائم بذاته، له سيادته وكرامته. فإما أن تعاملونا كجيران أحرار، أو ستكتشفون أن “الأمن القومي” الذي تبحثون عنه لا يتحقق إلا باحترام جاركم أولاً. والتاريخ لا يرحم الطغاة الصغار الذين ظنوا أن القوة مطلقة إلى الأبد، ونسوا أن العزة في الحق وحده.
أما عن مستقبل العلاقة بين الشعبين، فالحقيقة أن دماء المعدنين هذه رسمت خطاً فاصلاً لن تمحوه البيانات الباردة. العلاقة بين الشعب المصري والسوداني لم تكن يوماً علاقة حكومات، بل علاقة دم ومصير وتاريخ مشترك. لكن صلف النظام الحالي في القاهرة يزرع بذور كراهية ستدفع ثمنها الأجيال القادمة. مستقبل العلاقة مرهون بثلاثة شروط: الاعتراف بالسيادة الكاملة للسودان على أرضه ومياهه، والاعتذار وتعويض أسر الشهداء، ووقف سياسة الاستقواء بالضعف. بدون ذلك، ستتحول “العلاقات الأزلية” إلى ذكرى في كتب التاريخ، وسيتعلم المصريون كما تعلمنا نحن أن الجار الذي يقصفك اليوم لن يحميك غداً. فإما جيرة ند بند، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وإما عداوة يولدها القصف وتغذيها الغطرسة. والخيار عند القاهرة، قبل أن يفوت الأوان ويصبح الشرخ بين الشعبين أعمق من النيل نفسه.
احترامي
م. جبريل حسن احمد
gebrelhassan@gmail.com




