رأي

نجاح باهر.. كيف كسر إعلام الدعم السريع احتكار الرواية بعد ثلاثة عقود؟

عماد أغبش

 

عماد أغبش

على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، ظل المشهد الإعلامي السوداني خاضعاً بدرجات متفاوتة لهيمنة قوى الحركة الإسلامية التي نجحت في بناء منظومة إعلامية واسعة، سخّرت إمكانات الدولة وأدواتها المختلفة لتشكيل الرأي العام وإعادة إنتاج خطابها السياسي والفكري. وخلال تلك السنوات، لم يكن الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل تحول إلى أداة للتأثير والتوجيه وصناعة التصورات العامة حول القضايا الوطنية الكبرى.

ومع اندلاع الحرب الحالية وما صاحبها من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية عميقة، شهد الفضاء الإعلامي السوداني تغيراً غير مسبوق، تمثل في صعود إعلام قوات الدعم السريع بوصفه فاعلاً رئيسياً في معركة الرواية والمعلومات، الأمر الذي أحدث تحولاً لافتاً في موازين التأثير الإعلامي وكسر احتكاراً استمر لعقود طويلة.

لقد جاء هذا التحول نتيجة عوامل متعددة، في مقدمتها التطور الكبير في وسائل الاتصال الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أضعفت قدرة أي جهة على احتكار تدفق المعلومات أو التحكم الكامل في مصادر الأخبار. وفي هذا السياق، استطاع إعلام الدعم السريع أن يستثمر هذه الأدوات بصورة فعالة، وأن يقدم محتوى إعلامياً استطاع الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور داخل السودان وخارجه.

ومن أبرز أسباب هذا النجاح قدرته على تقديم رواية مغايرة للأحداث الجارية، وهي رواية وجدت اهتماماً لدى شرائح واسعة من المواطنين الذين كانوا يبحثون عن مصادر متعددة للمعلومات بعيداً عن الخطاب التقليدي الذي ظل مهيمناً لفترة طويلة. كما ركز هذا الإعلام على القضايا المعيشية والاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب، وربطها بالسياقات السياسية التي سبقتها، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة النقاش العام حول جذور الأزمة السودانية وأسبابها.

كذلك لعب عامل السرعة في نقل المعلومات دوراً مهماً في تعزيز الحضور الإعلامي لقوات الدعم السريع. ففي ظل بيئة إعلامية متسارعة، أصبح الوصول الفوري إلى الجمهور عاملاً حاسماً في تشكيل المواقف والانطباعات، وهو ما نجح فيه الإعلام الجديد بصورة لافتة مقارنة بالوسائل التقليدية التي ظلت تعتمد على أنماط أبطأ في التفاعل مع الأحداث.

ولم يقتصر تأثير هذا النشاط الإعلامي على الداخل السوداني فحسب، بل امتد إلى الإقليم والعالم، حيث تمكن من إيصال رسائله إلى منظمات دولية ووسائل إعلام أجنبية ومراكز بحثية مهتمة بالشأن السوداني. وقد ساهم ذلك في توسيع نطاق النقاش حول الحرب وتعقيداتها السياسية والإنسانية، وفي تقديم وجهات نظر لم تكن تحظى سابقاً بالقدر نفسه من الانتشار.

إن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في نجاح مؤسسة إعلامية أو جهة سياسية بعينها، وإنما في كسر حالة الاحتكار التي ظلت تهيمن على المجال العام لسنوات طويلة. فالتعددية الإعلامية، مهما اختلفت الآراء حول مضامينها، تظل عنصراً أساسياً في بناء وعي مجتمعي أكثر انفتاحاً وقدرة على التمييز بين الروايات المختلفة.

واليوم، تبدو الساحة الإعلامية السودانية مختلفة بصورة جوهرية عما كانت عليه في السابق. فقد أصبح الجمهور أكثر قدرة على الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات، وأكثر استعداداً لمراجعة الروايات المتعارضة ومقارنتها، وهو تحول يمثل في حد ذاته أحد أبرز المتغيرات التي أفرزتها الحرب الحالية.

وفي المحصلة النهائية، فإن نجاح إعلام الدعم السريع في فرض حضوره على المشهد العام يمثل محطة مهمة في تاريخ الإعلام السوداني المعاصر، لأنه أسهم في إنهاء مرحلة طويلة من الاحتكار الإعلامي، وفتح الباب أمام واقع جديد تتنافس فيه الروايات والأفكار بصورة أكثر انفتاحاً. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذا النجاح بوصفه تحولاً مؤثراً في معركة الوعي والرأي العام، وهي معركة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى في رسم مستقبل السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!