رأي

انكسار الحائط… عندما هزمت السنغال أوهام الهوية

عماد جدو

 

عماد جدو 

لا شيء يفضح الخطابات الزائفة مثل لحظة الصدق. ولا شيء يكشف تناقض الإنسان مثل العاطفة عندما تسبق الحسابات السياسية. وهذا ما فعلته السنغال في كأس العالم.

تسعون دقيقة فقط كانت كافية لتهدم جداراً من الشعارات بُني على مدى عقود. جدارٌ ظل أصحابه يحدثون الناس عن هوية لا ترى السودان إلا بعين واحدة، وتنكر انتماءه الإفريقي، وتتعامل مع إفريقيا وكأنها خطأ جغرافي ينبغي الاعتذار عنه أو عبء تاريخي يجب التخلص منه. حتي وصل بهم الحد لتفصيل قانون يسمي (قانون الوجوه الغريبة )

لكن ما إن لعبت السنغال حتى سقطت الأقنعة.

فجأة أصبحت إفريقيا “قارتنا”، وأصبح المنتخب السنغالي “ممثلنا”، وتحولت الهزيمة إلى مأساة تستحق الحزن. امتلأت الصفحات بالدعوات والانفعالات والدموع الرياضية، وكأن السنغال ليست دولة إفريقية، بل جزء من ذلك العالم الذي ظلوا يزعمون أن السودان ينتمي إليه وحده.

يا لها من مفارقة!

إنها ليست دموعاً على السنغال… بل دموع على خطاب انهار أمام أول اختبار.

كيف يمكن لإنسان أن يحتفل بإفريقيا عندما تهزم منتخباً أوروبياً، ثم ينكرها عندما تصبح جزءاً من تعريف وطنه؟ كيف تتحول إفريقيا إلى مصدر فخر في المدرجات، ثم تصبح تهمة في ساحات السياسة؟

الحقيقة التي يهرب منها هذا الخطاب أن السودان لم يكن يوماً دولة معلقة بين السماء والأرض، بل هو ابن هذه القارة قبل أن يكون موضوعاً لجدل الأيديولوجيات. لم تصنع الجغرافيا هذا الانتماء وحدها، بل صنعه التاريخ، والحضارة، والهجرات، والثقافات، والتنوع الذي ظل لعقود مصدر قوة، حتى جاء من أراد تحويله إلى سبب للصراع.

وما يؤسف له أن هذا الخطاب لم يعد يكتفي بإنكار إفريقية السودان، بل امتد ليزرع الشك بين أبناء الوطن أنفسهم، ويقسمهم وفق أصولهم وانتماءاتهم، ويختزل قيمة الإنسان في عرقه أو منطقته، ويحول التنوع من نعمة إلى تهمة.

وحين يصل الخطاب السياسي إلى هذه المرحلة، يصبح الوطن كله في دائرة الخطر.

إن الدول لا تسقط فقط بالرصاص، وإنما تسقط أيضاً عندما تتحول الهوية إلى سلاح، وعندما يصبح المواطن مطالباً بإثبات أنه يشبه غيره حتى يستحق وطنه.

ولذلك فإن أخطر ما كشفته السنغال لم يكن مستوى الكرة الإفريقية، وإنما مستوى التناقض في بعض الخطابات السودانية. خطاب يبكي على لاعب إفريقي في الدوحة، لكنه يعجز عن الاعتراف بحق مواطن سوداني في الانتماء الكامل لوطنه مهما كان أصله أو لونه أو ثقافته.

لقد كانت السنغال، من حيث لا تدري، شاهدةً على محاكمة أخلاقية لخطاب كامل.

خطاب يرفض إفريقيا عندما تكون هوية، ويعشقها عندما تكون مباراة.

يرفضها عندما تكون تاريخاً، ويصفق لها عندما تكون هدفاً.

ينكرها عندما تكون السودان، ويحتفي بها عندما تكون السنغال.

أي منطق هذا؟

إن أزمة السودان لم تكن يوماً في تعدده، وإنما في الذين أرادوا اختزال وطن كامل في صورة واحدة، وهوية واحدة، وثقافة واحدة، ثم اكتشفوا أن الواقع أكثر قوة من شعاراتهم، وأن التاريخ لا يعاد كتابته بمنشور في وسائل التواصل، ولا بخطبة سياسية، ولا بضجيج المنابر.

لقد انهزم المنتخب السنغالي في مباراة، لكن الذي انهزم سياسياً وأخلاقياً هو خطاب إنكار الواقع. فقد سقط الحائط الذي احتمى خلفه دعاة الهوية الأحادية، وظهرت الحقيقة كما هي: لا يمكن أن تحب إفريقيا في الملعب، وتكرهها في الوطن.

ولذلك فإن السؤال الذي سيظل يطارد أصحاب هذا الخطاب ليس: لماذا خرجت السنغال من كأس العالم؟

بل كيف خرجتم أنتم من حقيقة السودان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!