من غرف «الزوم» إلى جبهات القتال.. كيف تحوّل إعلام الحركة الإسلامية إلى وقود لإطالة الحرب في السودان؟
التنوير : تقرير القسم السياسي

التنوير : تقرير القسم السياسي
تسريبات تكشف استراتيجية منظمة لتعطيل السلام وترويج الانتصارات الوهمية بعد العقوبات الأميركية
بينما تتكثف الضغوط الإقليمية والدولية لوقف الحرب في السودان وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة، تكشف معطيات متقاطعة وتسريبات حديثة عن تحركات واسعة تقودها دوائر إعلامية مرتبطة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول بهدف عرقلة أي مسار يقود إلى إنهاء القتال، عبر حملات دعائية منظمة تسعى لإعادة تشكيل الرأي العام وتغذية مناخ الحرب والاستقطاب.
وتأتي هذه التحركات في لحظة سياسية حساسة تشهد تصاعداً في الضغوط الدولية على الأطراف المرتبطة بالحرب، وتنامياً في الدعوات المطالبة بوقف إطلاق النار ومعالجة الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين منذ اندلاع النزاع.
غرف مغلقة وخطة مفتوحة للحرب
بحسب تسريبات ومصادر متطابقة، عقدت قيادات إعلامية محسوبة على التيار الإسلامي والمؤتمر الوطني اجتماعاً طارئاً عبر تطبيق “زوم”، ناقشت خلاله تداعيات العقوبات الأميركية الأخيرة وسبل التعامل مع آثارها السياسية والإعلامية.
ووفقاً للمعلومات المتداولة، خلص الاجتماع إلى ضرورة إطلاق حملة إعلامية واسعة النطاق تستهدف تعزيز خطاب الحرب وتقويض أي توجهات تدعو إلى التسوية السياسية أو وقف إطلاق النار، باعتبار أن أي اختراق سياسي في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تقليص نفوذ القوى المرتبطة بالنظام السابق داخل المشهد السوداني.
العقوبات الأميركية تربك الحسابات
جاء الاجتماع عقب العقوبات الأميركية الأخيرة التي استهدفت عدداً من الأفراد والكيانات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، في خطوة اعتبرها مراقبون تطوراً مهماً في مستوى الضغوط الدولية على أطراف النزاع.
وتشير المعلومات إلى أن دوائر المؤتمر الوطني تعاملت مع هذه العقوبات باعتبارها تهديداً مباشراً لمراكز النفوذ التي ظلت تراهن على استمرار الحرب باعتبارها البيئة الأنسب لإعادة إنتاج حضورها السياسي والأمني.
ويبدو أن حالة القلق داخل تلك الدوائر دفعتها إلى الانتقال سريعاً من موقع الدفاع إلى الهجوم الإعلامي عبر محاولة تحويل النقاش العام من ملف العقوبات وتداعياتها إلى معارك خطابية وأيديولوجية جديدة.
صناعة الانتصارات الوهمية
أحد أبرز المحاور التي ناقشها الاجتماع تمثل في تكثيف الخطاب الإعلامي القائم على الترويج لانتصارات عسكرية غير مدعومة بوقائع ميدانية حاسمة.
ويرى متابعون أن هذا النمط من الدعاية لا يستهدف فقط رفع معنويات المؤيدين، بل يهدف كذلك إلى خلق انطباع عام بأن الحرب تقترب من نهايتها لصالح طرف بعينه، بما يبرر استمرار القتال ويقلل من جاذبية المبادرات السياسية المطروحة.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الوقائع على الأرض أن الحرب ما تزال تراوح مكانها، وأن كلفتها الإنسانية والاقتصادية تتصاعد بصورة غير مسبوقة.
السلام باعتباره الخطر الأكبر
تكشف المعطيات المتاحة أن أخطر ما يواجه مشروع التسوية السياسية ليس فقط تعقيدات الميدان العسكري، بل وجود قوى ترى في السلام تهديداً مباشراً لمصالحها السياسية.
فكلما اقتربت الأطراف السودانية أو الوسطاء الدوليون من بناء أرضية تفاهم مشتركة، تتصاعد حملات التخوين والتشكيك، ويتم تصوير دعاة وقف الحرب باعتبارهم متآمرين أو متنازلين عن السيادة الوطنية.
هذا السلوك يعكس، بحسب مراقبين، خوفاً متزايداً من أن يؤدي أي اتفاق سياسي شامل إلى إغلاق الباب أمام عودة الإسلاميين إلى المشهد عبر بوابة الحرب والفوضى.
خطاب المؤامرة وإعادة التعبئة
بالتوازي مع الحملة الإعلامية، برز تصعيد ملحوظ في الخطاب السياسي والعسكري القائم على فكرة “المؤامرة الخارجية”، حيث جرى توظيف العقوبات الدولية والضغوط الغربية باعتبارها جزءاً من مخطط يستهدف السودان.
ويرى محللون أن هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى مواجهة الضغوط الخارجية، وإنما يسعى أيضاً إلى تعبئة القواعد السياسية والعسكرية وحشدها خلف استمرار الحرب باعتبارها معركة وجودية لا تحتمل التسويات أو الحلول الوسط.
وتاريخياً، ظلت فكرة “المؤامرة” إحدى أكثر الأدوات استخداماً لدى الحركات الأيديولوجية عندما تواجه أزمات سياسية أو تراجعاً في نفوذها.
التضليل الرقمي.. الجبهة الجديدة للصراع
لا تقتصر المعركة على المنابر التقليدية، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى فضاء التواصل الاجتماعي، حيث تتحدث تقارير مستقلة عن تصاعد حملات التضليل المنظم واستخدام الحسابات الموجهة لنشر الأخبار المضللة والمحتوى التحريضي.
ويحذر خبراء الإعلام من أن هذه الحملات أصبحت جزءاً من أدوات إدارة الحرب نفسها، إذ لم يعد السلاح وحده هو العامل الحاسم، بل باتت السيطرة على الرواية والمعلومات أحد أهم ميادين الصراع.
ويؤدي انتشار المعلومات المضللة إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وإرباك الرأي العام وإضعاف فرص بناء توافق وطني حول مستقبل البلاد.
السودان بين مشروع الدولة ومشروع الفوضى
تكشف التطورات الجارية أن الصراع في السودان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متحاربتين، بل أصبح صراعاً بين رؤيتين متناقضتين: رؤية تسعى لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وأخرى تجد في استمرار الفوضى فرصة لإعادة إنتاج نفوذها القديم.
وفي هذا السياق، تبدو الحرب بالنسبة لبعض دوائر الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني أكثر من مجرد معركة عسكرية؛ فهي تمثل وسيلة للحفاظ على مواقع النفوذ وتأجيل الاستحقاقات السياسية التي فرضتها ثورة ديسمبر والتحولات التي أعقبتها.
معركة الوعي قبل معركة السلاح
في ظل هذا المشهد المعقد، تتجاوز أهمية المعركة حدود الجبهات العسكرية لتصل إلى ميدان الوعي العام. فكل يوم تستمر فيه الحرب يمنح القوى المستفيدة من الفوضى فرصة إضافية لإعادة ترتيب أوراقها وإطالة أمد الأزمة.
ولهذا يرى مراقبون أن مواجهة حملات التضليل، وكشف الجهات المستفيدة من استمرار النزاع، وتعزيز الخطاب الداعي للسلام والدولة المدنية، باتت مهام لا تقل أهمية عن أي جهد سياسي أو دبلوماسي لإنهاء الحرب، لأن مستقبل السودان سيتحدد بقدرته على الانتصار لمشروع الدولة على مشروع الفوضى.




