
عمادجدو
لم يكن سؤال الفيلسوفة السياسية( حنة آرنت) في كتابها «أصول الشمولية» سؤالًا فلسفيًا مجردًا، بل كان تشريحًا للطغيان في لحظة اكتماله. سألت: “لماذا يطيع الناس الأنظمة الظالمة؟” ولم تكن تقصد الجنود وحدهم، بل القضاة، ووكلاء النيابة، والموظفين، وكل من يخلع ضميره عند باب السلطة ثم يعود ليقول: “لقد كنت أطبق القانون.”
هذا السؤال يفرض نفسه اليوم على السودان، حيث تتسع دائرة الأحكام التي تطال المدنيين والقيادات الأهلية والسياسية، بينما تستمر الحرب في التهام ما تبقى من الدولة، وتتحول مؤسسات يفترض أن تكون حارسة للعدالة إلى أدوات في معركة لا علاقة لها بالقانون، بل بتصفية الخصوم وإرهاب المجتمع.
إن الحكم بالإعدام على اللواء معاش / صديق سنادة،ليس حدثًا معزولًا في نظر كثير من السودانيين والسودانيات . بل يأتي ضمن سلسلة من الأحكام التي طالت شخصيات مدنية وقيادات مجتمعية في ظل الحرب. وقد سبقه ما جرى في منطقة القطنية، حيث توفي العمدة سعد صغيرون داخل المعتقل بعد معاناة مع المرض. بينما لا يزال وكيل الناظر مأمون هباني ينتظر تنفيذ حكم الإعدام، إلى جانب عدد من أبناء المنطقة الذين وجدوا أنفسهم في السجون لأنهم بقوا في منازلهم بعد انسحاب السلطة التي كانت مسؤولة عن حمايتهم.
وفي أم روابة، صدر حكم بالسجن خمسة عشر عامًا بحق وكيل نظارة الجوامعة، وفي دنقلا حُكم على الدكتور أحمد شقا بالسجن لعامين وشهر، بينما شهدت مدينة الأبيض أحكامًا قاسية بحق نساء نازحات فررن من جحيم الحرب، في مشهد يراه كثيرون تجسيدًا لمأساة المدنيين الذين أصبحوا يدفعون ثمن حرب لم يصنعوها.
كذلك في مدينة الرصيرص يقبع الشيخ عوض أحمد دفع الله داخل سجن الروصيرص، بعد أن صدر بحقه حكم بالإعدام بتهمة تأييد والإشادة بقوات الدعم السريع، ثم جرى تخفيض الحكم إلى سبع سنوات، أنه لم يكن متهماً بدعم قوات الدعم السريع، وإنما بسبب نقده لانسحاب الجيش . إن هذا التناقض يثير تساؤلات مشروعة حول الأسس التي بُنيت عليها المحاكمة، ويؤكد أن القضاء أصبح ساحة لتصفية الحسابات السياسية.
وفي السياق نفسه، أصدرت السلطات حكماً بتغريم الأستاذة فتحية الهادي آدم، المراقب المالي بمحلية أبو حجار،فحين تتوالى المحاكمات بحق المدنيين وصدرت هذه الأحكام في توقيت متناسق في المناطق التي تقع تحت سلطة بورتسودان. والقيادات الأهلية، بينما تبقى مساءلة أطراف أخرى متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة محل جدل، فإن صورة العدالة نفسها تصبح موضع اختبار.
لقد حذرت حنة آرنت من أن أخطر ما في الأنظمة الشمولية ليس السجن ولا المشانق، بل تحويل المؤسسات إلى أدوات طيعة في يد السلطة. وعندما يفقد القضاء استقلاله، لا يعود ميزانًا للعدل، بل يصبح ختمًا يمنح الشرعية لقرارات السلطة، ويغدو الحكم القضائي امتدادًا للقرار السياسي بوسائل قانونية.
إن الحرب لا تُخاض في ميادين القتال وحدها، بل تُخاض أيضًا داخل المحاكم عندما يصبح الخصم السياسي متهمًا، والرأي المخالف جريمة، والبقاء في المنزل دليل إدانة، والدعوة إلى وقف الحرب شبهة تستوجب العقاب. عندها لا تكون العدالة قد انحرفت فحسب، بل تكون الدولة نفسها قد دخلت أخطر مراحل الاستبداد.
وليس من قبيل المصادفة أن تستهدف هذه الأحكام رجال الإدارات الأهلية ورموز المجتمعات المحلية. فالمستبد لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى الكلمة الحرة، والزعامة الاجتماعية، والشخصيات التي تمتلك ثقة الناس. ولذلك يصبح إخضاع المجتمع هو الهدف، ويصبح ترويع قياداته وسيلة لإسكات كل صوت يرفض استمرار الحرب أو يطالب بدولة القانون.
إن ما يجري اليوم يبعث برسالة خطيرة: أن الحرب لم تعد فقط صراعًا عسكريًا، بل أصبحت، في نظر كثير من المنتقدين، وسيلة لإعادة إنتاج منظومة الاستبداد التي ثار عليها السودانيون، وإحياء أدوات القمع تحت غطاء القانون، وإعادة بناء دولة الخوف باسم العدالة.
لقد قالت حنة آرنت، في جوهر مشروعها الفكري، إن الطغيان لا يعيش بالقوة وحدها، بل بطاعة من كان يفترض أن يقاوموه. فالديكتاتور لا يصدر آلاف الأحكام بنفسه، وإنما يجد دائمًا من يوقعها، ومن ينفذها، ومن يبررها، ومن يصمت عليها.
واليوم يقف السودان أمام سؤال مصيري: هل يبقى القضاء حصنًا للحقوق والحريات، أم يتحول إلى أحد أسلحة الحرب؟ وهل يُكتب تاريخ هذه المرحلة بأحكام المحاكم، أم بأحكام الضمير الوطني؟
إن الأمم لا تنهار عندما تشتعل الحروب فقط، وإنما تنهار عندما يفقد المواطن ثقته في أن العدالة يمكن أن تنتصر على السلطة. وعندما يصل الناس إلى هذه المرحلة، فإن الخطر لا يهدد المحكوم عليهم وحدهم، بل يهدد الدولة بأكملها، لأن الدولة التي تخسر عدالة قضائها، تخسر آخر أسباب بقائها.




