رأي

لعنة السودان!

منعم سليمان

منعم سليمان

كأنّ للحروب قانونًا خفيًّا يسري على من يُشعلها، لا باسم العدالة، بل بحُكمٍ كونيٍّ صارم، لا يعرف الرأفة ولا يقبل الاستئناف. إذ كلّما أُريق الدم ظلمًا، ارتدّت اللعنة على الجاني، وتكفّلت الأرض، بما فيها ومن عليها، بردّ الصدى.

والسودان اليوم ليس مجرّد ساحة صراع داخليّ محليّ، بل مرآة كاشفة للعنةٍ كونية، تطال أولئك الذين ساهموا – ولا يزالون – في تأجيج حربه وإذكاء نيرانه من الخارج. هكذا يمكن أن نُسمّيها، بلا تردّد: *لعنة.*

إنها *لعنة السودان* التي تُصيب كلّ من سكب الزيت على النار، فيعود محترقًا منها، يحمل رماده في كفّه، ويتلمّس خيبته في جيبه؛ فمن أشعل الحرب في بلادنا طمعًا في مواردها، نال شيئًا من السرقة، ولكن تهاوت بلاده اقتصاديًّا. ومن حوّل السودان إلى منصةٍ لحربه مع إسرائيل، دُمّر بتحالف من أمريكا وإسرائيل معًا. ومن أعان أخًا متأسلمًا له على تدمير بلاده في سبيل إيصالِه إلى كرسيّ الحكم، أصابته اللعنة؛ وأقصد هنا: *تركيا.*

سقطت الأكذوبة التركية، وتداعى صرح مصداقيتها سريعًا أمام ضوء الحقيقة. وافتُضح وهم أسطورة *البيرقدار* التي تحطّمت على *أرض السودان*، فالمسيّرات التي كانت تقف الدول في صفوف الانتظار لشرائها، بات الجميع الآن – وفق تقارير صحفية عالمية – ينظر إليها بعين الشك والارتياب.

دولٌ تنسحب من قوائم الشراء، ودول تؤجّل مواعيد الصفقات، وأخرى تتراجع، وعقود تجمّدت تحت ثقل الشك.

لم تعد تركيا، بعد حرب السودان، ذلك المورد النظيف في سوق السلاح المسيّر، بل بات يُنظر إليها كمن يبيع وهمًا مصقولًا بالكاميرات والدعاية في معارض السلاح الدولية.

لقد كشفت الحرب في بلادنا الفجوة الفادحة بين قاعات المعارض وساحات المعارك، بين الواجهة والبنية، بين الطموح والحقيقة، والأهمّ: بين شجاعة وعزيمة الإنسان وبرودة الحديد المسيّر.

لقد تداعت أسطورة *بيرقدار*، وتساقطت هشيماً تذروه الرياح شاهده العالم على تخوم الفاشر وفيافي كردفان.

هكذا تعمل لعنة السودان: لا تقتل، لكنها تفضح. لا تُدمّر الآلات فقط، بل تهدم ما بُني من أساطير. وهي لا تنتهي بإسقاط مسيّرة، بل تبدأ منها، وتبلغ ذروتها *بإسقاط أنظمة*- إن عاجلًا أو آجلًا.

من يسرق الموارد، تعود على اقتصاده وبالًا وانهيارًا. ومن يُغذّي الحرب، يعود إليه الدخان. ومن يزرع الحديد، يحصده صدأً.

إنها لعنة السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!