رأي

الأبيض! معركة المدنيين

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم تعد مدينة الأبيض مجرد هدف عسكري في الحرب السودانية، بل أصبحت إختباراً حقيقياً لقدرة أي طرف يسعى للسيطرة عليها على حماية المدنيين وصون مؤسسات الدولة. 

هذه المدينة، بما تمثله من ثقل جغرافي وإقتصادي وإنساني، تقف اليوم في قلب عاصفة تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المأساة الإنسانية، لتغدو كيفية إدارة أي تحول ميداني أكثر أهمية من التحول نفسه.

خلال الأشهر الماضية، تفاقمت معاناة سكان الأبيض بصورة غير مسبوقة، فالحصار، وإرتفاع أسعار السلع، وشح الدواء، وتقييد حركة المواطنين، كلها عوامل صنعت واقعاً بالغ القسوة، كما أسهم إنتشار المظاهر العسكرية للمشتركة و عصابات الجيش داخل الأحياء والمرافق المدنية في زيادة المخاطر على السكان،وجعل المدينة تعيش حالة من القلق الدائم والترقب.

التجارب التي شهدها السودان خلال الحرب أثبتت أن السيطرة العسكرية وحدها لا تصنع الإستقرار، وأن أي قوة تدخل المدينة دون خطة واضحة لحماية المدنيين والمحافظة على المؤسسات الخدمية قد تجد نفسها أمام فوضى تُفقدها أي مكسب ميداني، لذلك، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يُقاس بسرعة الحسم العسكري،وإنما بقدرة القيادة على منع الإنتهاكات، وتأمين المستشفيات والأسواق والبنية التحتية، وضمان إستمرار الخدمات الأساسية.

تبرز هنا أهمية وجود منظومة فعالة للإنضباط وحماية المدنيين ترافق أي تحرك ميداني لقوات الدعم السريع التي أحكمت سيطرها على مداخل المدينة، بحيث تتولى تلك المنظومة تأمين الأحياء والمرافق العامة ومنع أعمال النهب أو الإنتقام أو الإعتداء على الممتلكات،الذي تنفذه عصابات الظل الكيزانية المندسة وسط الأحياء ، كما أن حماية البنوك ومحطات المياه والكهرباء والمخازن الإستراتيجية تمثل أولوية لا تقل أهمية عن أي هدف عسكري، لأن إنهيار هذه المؤسسات يعني مضاعفة معاناة السكان حتى بعد توقف القتال.

لا يقل البعد المجتمعي أهمية عن البعد الأمني، فالأبيض مدينة متعددة المكونات الإجتماعية، ويعتمد إستقرارها على التعاون مع القيادات المجتمعية والإدارة الأهلية والفاعلين المدنيين لضمان إنتقال منظم يطمئن السكان ويحافظ على السلم الأهلي، ويحد من الشائعات وردود الفعل التي قد تؤدي إلى مزيد من التوتر.

مستقبل الأبيض لن يتحدد فقط بنتائج أي مواجهة عسكرية، بل بطريقة إدارة اليوم التالي، فإذا كانت الأولوية هي حماية الإنسان والحفاظ على مؤسسات المدينة، فقد يشكل أي تحول فرصة لتخفيف معاناة المدنيين، أما إذا غابت الخطط والإنضباط، فإن المدنيين سيظلون يدفعون الثمن الأكبر مهما تغيرت موازين القوى.

هكذا، تبدو الأبيض اليوم أمام مفترق طرق؛ فهي ليست مجرد ساحة معركة، بل إختبار لمدى قدرة الطرف المتسيطر على تقديم حماية حقيقية للمدنيين، وترجيح منطق الدولة والمسؤولية على منطق الحرب وحده،وهذا ما نتوقعه من قيادة تأسيس و حكومة السلام،التي يتقدم جنودها بمنهجيةعالية، وهم على مشارف المدينة

ولنا عودة بإذن الله

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!