
صهيل الخيل : د. عبدالمجيد عبدالرحمن ابوماجدة
“1”
يصادف التاسع من يوليو 2011م الذكرى الاولى لإستقلال اقليم جنوب السودان من الدولة الام ليصبح جمهورية جنوب السودان بحيث ارتفع علم جنوب السودان للمرة الأولى فوق سماء جوبا إيذاناً بميلاد أحدث دولة في العالم بعد عقود من الحروب التي قادتها حركات التمرد منذ اول تمرد في العام 1955م ما عرفت بحركة “انانيا 1” بقيادة قادة جنوبين شعروا بالضيم والظلم من حكومات المركز بالخرطوم .
فقادوا هذا العمل المسلح حتى العام 2004م وبعد مفاوضات شاقة ومضنية مع الحكومة المركزية في الخرطوم وقتها “حكومة الحركة الإسلامية” وجولات مكوكية من “أبوجا والمانيا وسويسرا وواشنطن ” في نهاية المطاف انتقلت هذه المفاوضات الي دولة كينيا “ميشاكوس ونيفاشا” والاخيرة تم فيها التوقيع النهائي على الاتفاق مثلّ الحركة الاسلامية احد “اساطينها” علي عثمان محمد طه فيما وقع عن الحركة الشعبية الدكتور الراحل جون غرنغ دميبيور مؤسس حركة تحرير السودان .
إنّ إتفاق نيفاشا نصٌ على السودان موحداً عبر الوحدة “الجاذبة” او حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بعد مرور خمسة سنوات من الاتفاق .
اخيراً بعد انقضاء شهر العسل مع حكومة الحركة الإسلامية بالخرطوم اختار الجنوبيون بانْ يصوتوا لحق تقرير المصير وبالطبع اختار شعب جنوب السودان “تقرير مصيرهم”
إذن لم يكن المشهد مجرد إعلان لدولة جديدة انفصلت من الدولة الام بل تتويجاً لمسيرة طويلة من الحروب والنزاعات وبهذا الانفصال من الدولة الام قد تحقق لشعب جنوب السودان حُلماً “بازخاً” كان يحلم به ملايين الجنوبيين في أن يكون الانفصال بداية لعهد من السلام والاستقرار والتنمية .
فاليوم يتبادر سؤال محوري ومهم ماذا تحقق لشعب جنوب السودان من الامن والسلام الداخلي وإستقرار الإقتصاد بعد خمسة عشر عاما من إستقلال جنوب السودان ؟؟ إنّ هذا اليوم يعود وهو محملاً بأسئلة تتجاوز أجواء الاحتفال فهل نجح الجنوبيون حكومة وشعباً في تحويل مكسبهم السياسي إلى مشروع دولة يحقق تطلعات وطموحات مواطنيها؟ أم أن الحروب الداخلية والأزمات الاقتصادية وتعثر بناء المؤسسات حالت دون تحقيق الوعود التي صاحبت إعلان الدولة”١”
إنّ اليوم تحل على حكومة وشعب جنوب السوددان الذكرى الخامسة عشرة لإعلان الدولة في وقت تستعد فيه البلاد لإجراء أول انتخابات عامة بينما لا تزال تواجه دولة جنوب السودان “الوليدة” تحديات إستراتيجية وامنية ومجتمعية تتعلق بتنفيذ اتفاق السلام بين الحكومة والمعارضة الداخلية واستكمال الترتيبات الأمنية وتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر إلى جانب اعتماد ملايين من السكان بجنوب السودان على المساعدات الإنسانية .
يرى المراقبين والمهتمين بشان دولة جنوب السودان إنّ أول خطاب للرئيس سلفاكير ميار ديت في يوم اختار الجنوبيين الاستقلال قال سلفاكير ميارديت “اعتباراً من اليوم لن يكون لدينا أي عذر ولن نجد من نحمله مسؤولية إخفاقاتنا” لم يكن إعلان دولة جنوب السودان بالنسبة إلى غالبية الجنوبيين مجرد تغيير في الحدود السياسية والجغرافية بل كان تتويجاً لعقود من الحروب والصراعات حول السلطة والهوية وتقاسم الثروة .
إنّ الاستفتاء بالنسبة إلى ملايين الناخبين الجنوبين يعتبر تعبيراً عن رغبة اكيدة منهم في الانتقال من مرحلة المطالبة بالحقوق إلى مرحلة بناء دولة توفر الأمن والخدمات والعدالة والمساواة وتتيح لمواطنيها حياة أكثر استقراراً “٢”
“2”
يقول الباحث في مركز دراسات السلام بجامعة جوبا أجاك دينق في حديثه للجزيرة نت إن تصويت الجنوبيين بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال جاء بعد عقود من الحروب والمعاناة والتهميش أملاً في بناء دولة تستجيب لتطلعاتهم في السلام والعدالة والتنمية .
وأضاف “لا يزال الكثير من الجنوبيين يفضلون وصف التاسع من يوليو بأنه يوم الاستقلال لا يوم الانفصال لأنهم ينظرون إلى ما سبق عام 2011 بوصفه مرحلة من التهميش السياسي والثقافي ويرون في قيام الدولة تعبيراً عن حقهم في تقرير مصيرهم وبناء وطن يعكس هويتهم وتنوعهم”٣”
إنّ ما شهدته دولة جنوب السودان من أزمات وتحديات داخلية إلاّ أنّ دولة جنوب السودان نجحت في ترسيخ مكانتها كدولة ذات سيادة وانضمت إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية “الإيغاد” كما أسست مؤسسات الحكم والإدارة إلا أنّ هذه الإنجازات السياسية لم تنعكس بالقدر المطلوب على حياة المواطنين في ظل استمرار النزاعات الداخلية وتعثر الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية “٤”
من جانبها قالت وزيرة الثقافة والمتاحف والتراث القومي الاستاذة سارة نياناث في حديثها للجزيرة نت إن الذكرى الخامسة عشرة لإنفصال جنوب السودان “لا ينبغي أن تقتصر على الاحتفالات الرسمية فقط بل يجب أن تكون مناسبة وطنية تصل إلى كل بيت وكل مجتمع في جنوب السودان” . وأضافت أن التاسع من يوليو يمثل “أهم محطة في تاريخ البلاد” لأنه يجسد إرادة الجنوبيين في إقامة دولتهم مؤكدة أن قيم السلام والوحدة والديمقراطية التي تأسست عليها الدولة ينبغي أن تظل الأساس الذي يقود مسيرة بناء الوطن .
“3”
في المقابل فإنّ حصيلة الخمسة العشرة عاما لا تُقاس بالخطابات السياسية الرنانة وحدها بل بما آلت إليه أوضاع المواطنين .
إنّ دولة جنوب السودان التي بدأت مسيرتها بوصفها أحدث دولة في العالم لا تزال تواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في أفريقيا .
كما انّ تقديرات البنك الدولي في مارس المنصرم تشير إلى أن نحو “87%” من سكان جنوب السودان يعيشون في فقر مدقع “٥” بينما تفيد بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي بأن “7.8”ملايين شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بينهم نحو “73” ألف شخص في مرحلة “الكارثة” .
كما يحتاج أكثر من “2.2” مليون طفل إلى العلاج من سوء التغذية الحاد في وقت يعتمد فيه قرابة “10” ملايين شخص على المساعدات الإنسانية .
إنّ هذه المؤشرات تعكس حجم التحول الذي شهدته البلاد منذ الانفصال فبينما كان الجنوبيون قبل عام 2011م يناضلون من أجل إنهاء الحرب ونيل حقوقهم في تقرير المصير أصبحت تطلعاتهم بعد قيام الدولة تتركز في تحسين مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل وإدارة الثروة النفطية بما ينعكس على حياتهم اليومية .
إلاّ أنّ الحروب الأهلية وما تبعها من أزمات سياسية واقتصادية أضعفت قدرة الدولة على تحقيق جانب كبير من تلك التطلعات .
يقول أستاذ الاقتصاد بالجامعة الكاثوليكية في جنوب السودان أنجلو مارتن في حديثه للجزيرة نت: “إن الاستقلال لم ينعكس على حياة المواطنين بالصورة التي كانوا يأملونها إذ تحولت وعود الرخاء إلى تراجع حاد في مستويات المعيشة بعد أن استُنزفت مليارات الدولارات من عائدات النفط في الصراعات وسوء الإدارة وأضاف أنّ ذلك أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي مقارنة بعام 2011م بينما يعيش اليوم نحو “92%” من السكان تحت خط الفقر ويعاني قرابة ثلثي السكان من انعدام الأمن الغذائي .
وقال مارتن: “فاقمت الأزمة الاقتصادية معدلات التضخم وأدت إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين وانخفاض قيمة العملة الوطنية كما زادت الحرب في السودان من الضغوط على الاقتصاد بعد تعطيل صادرات النفط عبر الأراضي السودانية الأمر الذي انعكس على الإيرادات العامة وأضعف قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها بما في ذلك صرف رواتب العاملين بانتظام.”
وواصل مارتن حديثه “ظل الاقتصاد رهينة نموذج ريعي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط من دون أن ينجح في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تحقيق تنمية مستدامة”٦”
“4”
يبدو إنّ التحديات لا تقتصر الجانب الاقتصادي إذ لا يزال تنفيذ اتفاق السلام الموقع عام 2018م يواجه عقبات تتعلق باستكمال الترتيبات الأمنية وتوحيد القوات في وقت تمثل فيه الانتخابات المرتقبة اختباراً لقدرة القوى السياسية على الانتقال من إدارة الخلافات عبر السلاح إلى التنافس عبر صناديق الاقتراع .
اغلب الجنوبيون يرون اليوم أنّ الإنجاز الأكبر تحقق بقيام دولة ذات سيادة بعد عقود من النضال .
كما يرى آخرون أنّ الاختبار الحقيقي بدأ بعد رفع العلم حين انتقلت المسؤولية من معركة نيل الدولة إلى معركة بنائها .
هنا يبرز السؤال المهم كيف يرى الجنوبيون دولتهم بعد مُضي خمسة عشر عاماً من الإستقلال ؟؟ وهي رحلة ما زالت فصولها مفتوحة على تحديات كبيرة لكنها تحمل أيضاً فرصة لإعادة تصويب المسار إذا نجحت النخب السياسية في تحويل السلام إلى واقع والثروة إلى تنمية يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية”٧”
من جانب آخر فقد دعت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان اليوم إلى بعث روح التوافق الوطني وإنهاء النزاعات السياسية كما أكدت البعثة الاممية دعمها لجنوب السودان وشعبه وأوضحت البعثة الأممية أنّ يوم الاستقلال الذي يصادف التاسع من يوليو يمثل فرصة متجددة لقادة جنوب السودان لإعطاء الأولوية لحقوق جميع المواطنين وكرامتهم وسلامتهم من خلال العودة إلى اتخاذ قرارات قائمة على التوافق .
إنّ بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان “أونميس” أضافت أنّ العمل الجماعي أصبح ضرورياً الآن أكثر من أي وقت مضى لتهدئة التوترات وحل الخلافات السياسية وإحراز تقدم ملموس في تنفيذ السلام وحثت بعثة حفظ السلام الجميع في جنوب السودان على الاتحاد بروح التوافق ومضاعفة الجهود نحو تحقيق الاستقرار والأمن .
“5”
إنّ بعثة الامم المتحدة “اونميس” تدق ناقوس الخطر في دولة جنوب السودان وتقول أسوأ كارثة تواجه دولة جنوب السودان هي تفشي مرض “الكوليرا” في تاريخ البلاد .
فعلى الصعيد الإنساني يواجه جنوب السودان تفشياً سريع الانتشار لمرض الكوليرا وهذا المرض يؤثر على آلاف الأشخاص في جميع أنحاء البلاد .
وتقول البعثة : نقلا عن وزارة الصحة أفاد العاملون في المجال الإنساني على الأرض بالإبلاغ عما يقرب من “80” ألف حالة اصابة وأكثر من “1.400” حالة وفاة منذ نهاية سبتمبر من العام الماضي 2025م .
وتقول البعثة إنّ الأزمة تطورت إلى حالة “طوارئ” معقدة مدفوعة بالفيضانات والنزوح ومحدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية .
وقد شاركت المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في جنوب السودان “أنيتا كيكي غبيهو” في اجتماع أمس مع الحكومة لتنسيق الاستجابة لما أصبح الآن أسوأ تفشٍ للكوليرا في تاريخ جنوب السودان”^”
من جانب اخر قال المتحدث باسم الأمم المتحدة “ستيفان دوجاريك” في المؤتمر الصحفي اليومي إنّ المنظمة وشركائها يعملون مع الحكومة لتخزين الإمدادات المنقذة للحياة مسبقاً والحفاظ على خدمات الصحة والتغذية الأساسية وتوسيع أنظمة مراقبة الأمراض والإنذار المبكر وتحسين الوصول إلى المياه الآمنة والنظافة. إنّ بعثة الأمم المتحدة وشركاؤها يعملون على زيادة حملات التطعيم ضد الكوليرا وتسهيل وصول المساعدات الإنساني وحشد الموارد .
وقال “دوجاريك” إنّ الأسابيع الثمانية القادمة ستكون حاسمة لاحتواء التفشي وإنقاذ الأرواح بحيث يقترب ذروة موسم الأمطار مما سيجلب فيضانات واسعة النطاق ويجعل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق ذات الحاجة الماسة أكثر صعوبة”٩”
إنّ بعثة الامم المتحدة بجنوب السودان وشركاؤها تواصل عملها في تقديم لقاحات الكوليرا “الفموية” وغيرها من المساعدات العاجلة المنقذة للحياة في جميع أنحاء جنوب السودان لكن إمكانية زيادة نطاق الاستجابة مقيدة بشدة بسبب نقص التمويل ولم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية لجنوب السودان التي تسعى البعثة للحصول عليها وهي مبلغ ” 1.69″ مليار دولار سوى على 22% فقط من التمويل المطلوب بحيث تم استلام “368”مليون دولار “١٠”
المصادر والمراجع:
1- عبدالمجيد عبدالرحمن داؤود ، اثر الصراع بين دولتي السودان وجنوب السودان على الامن القومي السوداني من “منظور إستراتيجي” ص 342 .
2- بعثة الامم المتحدة “اونميس” الاحتفال باستقلال جنوب السودان ، جوبا 09- 07- 2026م .
3- الجزيرة نت .
4- ستيفان دوجاريك ، الناطق الرسمي باسم بعثة الامم المتحدة ” اونميس” بجنوب السودان .
5- انيتا كيكي منسقة الشؤون الإنسانية للامم المتخدة ، دولة جنوب السودان .
6- وزارة الصحة بدولة جنوب السودان ، تصريح حول تفشي وباء الكوليرا .
7- أنجلو مارتن ، إستاذ الإقتصاد بالجامعة الكاثوليكية ، جنوب السودان .
8- سارة نياناث ، وزيرة الثقافة والمتاحف والتراث بحكومة جنوب السودان .
9- اجاك دينق ، باحث بمركز دراسات السلام بجامعة جوبا. .
10- تقرير البنك الدولي ، مارس 2026م .
Abdumajeednetaigazxc1133@gmail.com
كاتب وباحث سوداني



