رأي

طعم الحلو ببقى مُر..

د. خالد تارس

ألقى نائب رئيس تحالف السودان التأسيسي ورئيس الحركة الشعبية – شمال، القائد عبد العزيز ادم الحلو، خطاباً بالغ الأهمية قدّم فيه سردًا تاريخياً عميقاً لمسار الدولة السودانية منذ لحظة الميلاد الأولى وحتى اللحظة، حيث أوضح الحلو أن الشروط التي نشأت في ظلّها الدولة لم تكن متينة بما يكفي لضمان استقرارها وبقاءها، فقد يتجلّى الامر بوضوح في تآكل ذلك البناء بعد بضعة عقود فقط، ولم تكن هناك اي قواسم سياسية جامعة بين المكوّنات، نتيجة البنية الاجتماعية المختلّة التي تأسست عليها البلاد، وبيّن القائد أن الظلم التاريخي لم يكن عابرًا أو حالة عارضة كما يتصور البسطاء، بل منذ اللحظة التي وُضعت فيها مكوّنات بعينها في الدرجات السفلى من السلم الاجتماعي، في مقابل تمييز ممنهج لصالح قوى أخرى، ومنذ ذلك الحين برزت ممارسة التمييز على أساس العرق والدين بصورة فجّة وغير مبررة، ممارسات تراكمت معها الفوارق الثقافية والاجتماعية وحتى الوظيفية بشكل غير معقول، وتحوّلت لاحقًا إلى أسباب عميقة للصراع والعنف والقتال.

الحلو شار بكل وضوح إلى أن استمرار المجموعة المهيمنة في سدة السلطة قد خلق ديناميات خطيرة من التفكير السياسي السالب، أبرزها إذكاء العداوات بين المكوّنات الاجتماعية في الأطراف او الهوامش، وضرب الأمثلة بما وقع في جبال النوبة والفونج ودارفور، حيث جرى تجييش المجتمعات المحلية وتفكيك نسيجها الداخلي الغير متجانس اصلا، وأن هذا النهج المركزوي لم ينتج سوى تعدّد الجيوش الإثنية والجهوية ويفرخ المليشيات ذات الاغرض القبلية الضيقة جداً، ذات الامر جعل المشهد الوطني يتسم بالتشظي والتشرزم وفقدان الثقة بين ابناء الوطن، وشدّد كمرد الحلو على أن مشروع الحركة الشعبية لا يقوم على مجرد مواجهة الأعراض، بل يهدف إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على ركائز راسخة من الحرية والعدالة والمساواة، وإدارة التنوع بوصفه ثروة وطنية ينبغي الاستفادة منها وتوظيفها للصالح العام.

كذلك تطرّق الحلو بشئ من التفصيل إلى التحالف الاستراتيجي العريض المعروف باسم تأسيس، وقال عنه أنه تحالف يستهدف تفكيك بنية السودان القديم وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تعيد الاعتبار للكرامة والحقوق وتوحد الشعوب السودانية كافة، وأن من أولويات هذا المشروع ايضاً تفكيك التنظيمات الإسلاموية ودعاة الإسلام السياسي الذين سعوا إلى استغلال الدين كأداة للهيمنة وتمزيق المجتمع وتبرير القمع والإبادة وتشريد اهل السودان وتفريقهم بين مشارق الارض ومغاربها، الرجل كان صريحاً للغاية فقد أوضح أن تحالف تاسيس عازماً على إنشاء جيش وطني مهني، يلتزم بالدستور ويحمي حدود البلاد دون ولاءات ضيقة أو أجندات أيديولوجية او مناطقية، لكنه في النهاية نبّه إلى أن هذا الهدف لن يصبح واقعًا إلا بعد استعادة الأمن والسلم الأهلي وبناء الثقة بين السودانيين، وما يقوي اللحمة والوحدة الوطنية بين الشعوب السودانية، وهو عمل استراتيجي يستعدي تفكيك المليشيات الإرهابية والجهادية التي أسسها نظام الإنقاذ لترويع المواطنين وقهرهم وإفساد المجال العام، ونوّه ايضاً انهم يعملون بكل جهد إلى إبرام عقد اجتماعي جديد يقرّ بالتنوع كعنصر أصيل في تكوين الهوية الوطنية السودانية ويضمن توزيعًا (عادلًا) للسلطة والثروة، وأكد أن التحالف خرج من رحم المعاناة ليعيد تعريف العلاقة المختلّة بين المركز المسيطر والهامش المهمّش، تلك العلاقة التي ظلّت تؤجّج النزاعات وتغذي الانقسامات والحروب القبيلة بهدف تكريس الامتيازات التاريخية لقلة من الناس منذ استقلال البلاد.

ومن النقاط اللافتة في هذا الخطاب المهم، ان القائد الحلو كشف طريقة التفكير لدى مجموعة بورتسودان التي لجأت اخيراً الى تعين الفريق (كبرون) وزيرًا للدفاع، هو يرى ان هذه الخطوة ابداً لم تكن هي خطوة بريئة أو معزولة عن تدابير المركز السياسي الذي يفكر بعناية في ادارة مصالحة الاستراتيجية بقدر ماهي خطوة محسوبة تهدف إلى استقطاب ولاء أبناء النوبة المقاتلين، ومحاولة إغراء الضباط القادمين من جبال النوبة للإيحاء بوجود نفوذ لهم داخل ما يُسمى بالقوات المسلحة، على الرغم من أنها لا تزال خاضعة بالكامل لتوجيهات الإسلاميين والشلة الفاسدة من ابناء السودان الشمالي، وهي محاولة (ماكرة).. تسعى من خلال لها شلة بورتسودان إلى عزل الحركة الشعبية سياسيًا عن قواعدها الشعبية وتقسيم الرأي العام في الإقليم ولكنها لن تفلح وتظل هي محاولة فاشلة وغير موفقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!