رأي

بين الحقيقة والزيف: جيش الوطن المختطف وضرورة الخلاص من إرث الكيزان

أ. طارق عبد العزيز المستشار القانوني

 

طارق عبدالعزيز – المستشار القانوني

“من لا يتعلم من دماء الأمس، سيغرق في أوحال الغد.”

غاية الاستغراب أن نجد اليوم من لا يزال يؤيد مليشيات الكيزان داخل الجيش السوداني، وكأن التاريخ لم يسجل صفحات الألم التي خلفتها هذه العصبة التي جعلت من مؤسسات الدولة أداة لقهر الشعب وتكميم صوته.

فأين كان هذا الجيش حين لجأ إليه الثوار المعتصمون أمام قيادته، يطلبون الحماية والعدالة بعد سقوط الطغاة؟ أين كان عندما سقط الشهداء في ساحات الاعتصام، وأُهدرت كرامة الأمهات والكنداكات؟ وأين كان عندما أحرقت القرى في دارفور، وارتُكبت الجرائم في أطراف الوطن، بينما التزم الصمت المريب؟

الآن، وبعد كل هذا الخراب، نسمع بعض الأصوات تردد بلا خجل شعار “جيش واحد، شعب واحد”، وكأنها لم تدرك أن ما تبقى من المؤسسة العسكرية مخترق حتى النخاع بعقيدة الكيزان الذين لا يؤمنون إلا بالسلطة والغنيمة. هذا ليس جيش الوطن، بل بقايا مشروع استبدادي يتجدد بوجوه جديدة وأقنعة قديمة. من يؤيد هؤلاء فقد ارتكب جرماً في حق نفسه ووطنه، لأنه يمنح القتلة فرصة لإعادة تدوير المأساة.

ولأولئك الذين يضعون مصالحهم فوق مصلحة الوطن، ويعملون سراً لخدمة بقايا النظام البائد، نقول إن التاريخ لن يرحم، وإن الشعب بات يميز الخيط الأبيض من الأسود. فهؤلاء “المؤلفة قلوبهم” هم عصب الفساد وأصل البلاء، يساومون على دماء الشهداء مقابل فتات سلطة زائلة.

أما دعاوى الكيزان العنصرية التي تحاول النيل من قائد قوات الدعم السريع حميدتي، ووصمه بأنه “تشادي”، فليعلموا أن هذه الأكاذيب هي امتداد لخطاب الكراهية الذي زرعوه منذ عقود. فهل قبائل الرزيقات والمحاميد والهبانية والمسيرية وأولاد حميد تشاديون؟! هؤلاء سودانيون خُلّص، ملامحهم تنضح بأصالة البادية السودانية، وقيمهم تجسد النبل والشهامة والكرم التي عرف بها الأجداد. لقد تداخلت هذه القبائل مع غيرها من شعوب غرب إفريقيا، لكن ذلك لم يُفقدها هويتها، بل أغناها بالقيم والفضائل. من ينكر ذلك، إنما يرتدي عباءة العنصرية البغيضة التي تمزق نسيج الوطن.

الكيزان اليوم يستخدمون هذه النعرات لتزييف الوعي الشعبي وإلهاء الناس عن جوهر القضية: محاولة العودة إلى السلطة عبر الفوضى والانقسام. لكن الواجب الوطني الآن هو دعم الاتجاه نحو تطهير الجيش من هذه المليشيات الأيديولوجية التي ما زالت تحلم بالحكم، لا بد من إعادة الجيش إلى مكانه الطبيعي حارساً للوطن لا سيفاً على رقاب مواطنيه.

أما الفريق محمد حمدان دقلو حميدتي، فهو رجل بادية صادق مع نفسه ومع الناس. أخطأ، لكنه اعترف، والاعتراف بداية الطريق إلى التصحيح، و”خير الخطائين التوابون”. أعلن دعمه الصريح للاتفاق الإطاري ولقيام حكومة مدنية، فاستشاط الكيزان غضباً لأنهم لا يعيشون إلا في ظلام الفوضى.

لم تعد هناك منطقة رمادية، فإما أن نكون مع السودان الجديد الذي يقوم على العدالة والمواطنة، أو مع من يريدون جر البلاد إلى الماضي المظلم. آن الأوان لتطهير المؤسسة العسكرية من هذه الجراثيم التي دنّست اسم الجيش السوداني، وبناء جيش وطني مهني يحمي الشعب لا يبطش به، ويحفظ الكرامة لا يدهسها.

ولمن يروجون لخطاب العنصرية ويتسترون بثوب الأدب والفكر، نقول إن الكلمة مسؤولية، ومن يحرّض على الكراهية يرتكب جريمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. فليعلم كل من سار على نهج بركة ساكن ومن شايعه، أن الشعب تجاوز زمن الوصاية، وأن الوطن أكبر من الأسماء الصغيرة التي تقتات على الأحقاد.

السودان اليوم على مفترق طرق، ولا سبيل للنجاة إلا بالصدق، والتجرد، وتحرير الجيش من قبضة الكيزان، وبناء وطنٍ للكل… وطن يعلو فيه صوت العدالة على ضجيج البندقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!