
عماد ابكر جدو
لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل تحولت، مع امتدادها الزمني واتساع رقعتها الجغرافية، إلى صراع بالغ التعقيد تشارك فيه تشكيلات وقوى مسلحة متعددة، وتحالفات سياسية وعسكرية متغيرة، الأمر الذي يفرض سؤالاً مصيرياً حول مستقبل الأمن والاستقرار في السودان بعد توقف القتال.
فقد ذكر ماكس فيبر. ان الدولة هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدودها، فإذا فقدت هذا الاحتكار تآكلت سيادتها واهتزت شرعيتها، وأصبحت عرضة للتفكك.” اما المفكر
توماس هوبز.فقد أوضح الاتي :
“عندما تغيب سلطة الدولة القادرة على فرض النظام، يعود المجتمع إلى حالة الطبيعة؛ حيث تسود الفوضى وتتحول الحياة إلى صراع دائم، أو كما وصفها هوبز: حرب الجميع ضد الجميع.”
وهاتان الفكرتان من أكثر الأفكار استخدامًا في علم السياسة عند تحليل الدول التي تنتشر فيها الميليشيات أو تتعدد فيها مراكز القوة خارج سلطة الدولة.
ومع إعلان تحالف تأسيس، برزت معادلة جديدة في المشهد العسكري، إذ باتت قوات الدعم السريع تتحرك ضمن إطار سياسي وعسكري أوسع يضم عدداً من القوى المسلحة، من بينها قوات الطاهر حجر، والهادي إدريس، وسليمان صندل، وقوات الصحوة، والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بما في ذلك قواتها في جبال النوبة ومنطقة الأنقسنا، وقوات الاسود الحرة بقيادة الدكتور/مبارك مبروك.والحركة الشعبية جناح قاسم امام.والحركة الشعبية جناح جوبا. وفق ما أعلنته تلك الأطراف. في التوقيع علي انشاء تحالف تأسيس.
وفي المقابل، يثار جدل واسع حول طبيعة التحالفات التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية. ويرى منتقدون أن الواقع الميداني تجاوز صورة “الجيش الموحد”، وأن العمليات العسكرية تعتمد على شبكة واسعة من التشكيلات الأمنية والعسكرية والمجموعات المسلحة التي تعمل بدرجات متفاوتة من التنسيق.
ويشير هؤلاء إلى وجود تشكيلات تشمل:
الجيش.الشرطة.الاحتياطي المركزي.
جهاز الأمن والمخابرات.الامن الشعبي.كتأئب الظل.كتيبة البراء بن مالك. كتيبة انس بن مالك .كتيبة البنيان المرصوص.قوات عبدالله جماع.العمل الخاص. كتيبة العمل العدائ . المقاومة الشعبية .والمستنفرين
كما هو معلوم عن مشاركة عناصر و مجموعات أجنبية .و دعم خارجي، وتشمل هذه المجموعات الاجنبية الإريتريين، وتقراي، وأوكرانيين، وجنوبيين، وإيرانيين، ومقاتلين تشاديين، إضافة الي قوات روسية تتواجد في منطقه ام دافوق التي تتواجد في دولة افرقيا الوسطي كذلك الإسناد الجوي المصري.
ويضاف إلى ذلك الحديث عن مجموعات قبلية أو إقليمية مسلحة، مثل:جبهة تحرير الشرق. الاورطة الشرقيه. حركة شباب التغيير. جبهة الشرق بقيادة محمد الأمين ترك. قوات التحالف بقيادة شيبة ضرار.درع البطانة. ودرع الشمال.ودرع السودان.ومجموعات قبلية أخرى.
كما تضم خارطة القوى المسلحة المتحالفة مع الجيش، وفق ما هو متداول ، عدداً من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا أو غيرها،وهي .
حركةجيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي.
حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم.
الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار.
حركة تحرير السودان بقيادة مصطفى تمبور.
حركة التحرير والعدالة بقيادة بحر إدريس أبو قردة.
حرس الحدود بقيادة القوني عسيل.
أولاد قمري.
مجموعة كافي طيار.
مجموعة “غاضبون”.
قوات مرتبطة بموسى هلال.
قوات مرتبطة بعلي رزق الله “السافناوالنور قبه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت الحرب قد بدأت تحت شعارات استعادة الدولة ومحاربة المليشيات، فكيف سيكون شكل الدولة بعد الحرب إذا أصبحت الساحة نفسها تضم هذا العدد الكبير من القوى المسلحة، مهما اختلفت أسماؤها أو تبعيتها أو طبيعة علاقتها بالقيادة العسكرية؟
إن التحدي الحقيقي لم يعد يكمن فقط في تحقيق انتصار عسكري، وإنما في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. فالتجارب الإفريقية والعربية أثبتت أن تعدد مراكز القوة المسلحة يجعل بناء جيش قومي موحد أكثر صعوبة، ويزيد من احتمالات الصراع الداخلي حتى بعد توقف المعارك.وهذه الفرضية تنطبق تماما مع وضع القوات المتحالفة مع الجيش والتي تنطبق عليها((وتحسبهم جمعا وقلوبهم شتي)
وفي المقابل، فإن تحالف “تأسيس” فإن التحديات التي تواجهه اقل من تحديات .التحالف الاخر .فإن الرابط الذي يجمعه هو تحالفه السياسي الذي انجزه في نيروبي في خواتيم عام 2024م فوجود قوات ذات خلفيات سياسية وإثنية وإقليمية مختلفة تحت مظلة واحدة لا يعني بالضرورة سهولة المحافظة على وحدة القرار العسكري والسياسي مستقبلاً. لاكن هناك اتفاق هو تكوين جيش وطني ذات عقيدة جديدة بعيدا عن الممارسة السياسية والاقتصاد ويكون هذا الجيش تحت السلطة المدنية .وهذا الأمر تم حسمه في تحالف تأسيس.
لذلك فإن المقارنة لا ينبغي أن تنحصر في سؤال: من يملك حلفاء أكثر؟ بل في سؤال أكثر أهمية: من يمتلك القدرة على إدارة هذا التنوع العسكري دون أن يتحول إلى صراع داخلي جديد؟
إن أخطر ما أفرزته الحرب السودانية ليس فقط حجم الدمار الإنساني والاقتصادي، بل تشظي القوة المسلحة إلى عشرات المراكز والولاءات. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية تعقيداً وارتفعت كلفتها السياسية والأمنية.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغل كل السودانيين، بمختلف انتماءاتهم:
إذا توقفت الحرب غداً، فمن سيجمع كل هذه القوى المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة؟ ومن يضمن أن السلاح الذي وُجِّه اليوم نحو الخصوم لن يُوجَّه غداً بين الحلفاء أنفسهم؟ وهذا السؤال موجه الي تحالف بورتسودان. لاننا نلاحظ شكل التباين في هذا التحالف .وهذا التناقض اصبح واضح ومشاهد لكل ذي بصر وبصيرة.
إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بمن ينتصر في الميدان، وإنما بمن يستطيع بناء دولة يكون فيها السلاح حكراً على مؤسسة عسكرية قومية واحدة، تخضع لسلطة مدنية شرعية، وتضع حداً نهائياً لدوامة تعدد الجيوش والمليشيات.




