تقارير وتحقيقات

السودان: انهيار اقتصادي وسط هيمنة الإسلاميين ونهب  الموارد عبر شبكات عسكرية سودانية ومصرية

تقرير: Sudan  Peace Tracker (SPT) ترجمة التنوير

 

تقرير: Sudan  Peace Tracker (SPT) ترجمة التنوير 

في الثامن من يوليو، أعلنت السلطات في بورتسودان زيادة جديدة في سعر الدولار الجمركي بنسبة 6.41%، في ظل تسارع الانهيار الاقتصادي والتراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني الذي هبط إلى ما يقارب 6,000 جنيه مقابل الدولار الأمريكي الواحد. وأدى هذا الانخفاض إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتفاقم الأوضاع المعيشية التي أنهكتها الحرب.

وقبل ذلك، في الرابع من يوليو، أعلن بنك السودان المركزي سحب الفئات النقدية الصغيرة من جنيه واحد إلى خمسين جنيهاً من التداول، بعد أن فقدت قيمتها الشرائية نتيجة التضخم المتصاعد والارتفاع المستمر في الأسعار.

وأرجعت مصادر تحدثت إلى SPT أسباب الانهيار الاقتصادي وتدهور سعر الصرف إلى تفشي الفساد واستغلال النفوذ من قبل شخصيات إسلامية وعسكرية نافذة متورطة في تهريب السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها الذهب والصمغ العربي، إلى جانب المضاربة الواسعة في سوق العملات الأجنبية وتحويل النقد الأجنبي إلى الخارج.

كما أشارت المصادر إلى وجود صفقات وصفتها بالمثيرة للجدل، أبرزها اتفاق يتعلق بالنحاس مع الصين، بدأ بمذكرة تفاهم مع شركة نورينكو الصينية خلال زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى بكين في سبتمبر 2024، وانتهى بتوقيع اتفاقية بقيمة 300 مليون دولار لمدة ثلاثين عاماً مع جهة لم يُكشف عن هويتها في 21 يونيو الماضي.

وأضافت المصادر أن التحالف العسكري–الإسلامي المسيطر على الاقتصاد عبر سلطات بورتسودان يتوزع إلى أربع كتل رئيسية: الأولى تهيمن على قطاع النفط، والثانية على الذهب، والثالثة على سوق العملات الأجنبية، بينما تسيطر الرابعة على التحويلات المالية والقطاع المصرفي.

وقال الخبير الاقتصادي عادل خلف الله لـSPT إن الاقتصاد السوداني انكمش بنسبة 43% بالتزامن مع عودة شبكات التمكين التابعة للحركة الإسلامية إلى مؤسسات الدولة، بصورة تعيد إلى الأذهان حقبة الرئيس السابق عمر البشير.

وأوضح أن أكثر من 90% من الكتلة النقدية أصبحت خارج النظام المصرفي الرسمي، بينما تمكن حلفاء النظام السابق بالتعاون مع شخصيات عسكرية نافذة من إحكام السيطرة على قطاعات النفط والخدمات.

وأضاف أن هذه التطورات أدت إلى موجات متلاحقة من تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار، وتحويل الدولار وعدد من العملات الأجنبية الأخرى إلى سلع تُباع وتُشترى في أسواق موازية مزدهرة.

وأشار خلف الله إلى أن الإسلاميين أعادوا تموضعهم داخل مؤسسات الدولة، واستعادوا نفوذاً واسعاً مكّنهم من فرض شبه احتكار على التجارة الداخلية والخارجية عبر شبكات المحسوبية والفساد والامتيازات الخاصة.

تهريب الذهب

وفقاً للسجلات الرسمية المصرية، قفزت صادرات الذهب المصرية خلال سنوات الحرب في السودان إلى نحو 7.8 مليارات دولار، بزيادة بلغت 137.5%.

وأظهرت البيانات أن إجمالي صادرات الذهب المصري بلغ 7.6 مليارات دولار بنهاية العام الماضي مقارنة بنحو 3.2 مليارات دولار في عام 2024، ليصبح الذهب أحد أهم محركات نمو الصادرات المصرية غير النفطية.

وقال إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب باتحاد الصناعات المصرية، إن القطاع حقق أفضل أداء تصديري في تاريخه خلال الربع الأول من العام الماضي، بعدما بلغت صادرات الذهب نحو 3.6 مليارات دولار

وكشف مصدر مقرب من بنك السودان المركزي لـSPT أن نحو 60% من الذهب السوداني المهرب يتجه إلى مصر، موضحاً أن شخصيات نافذة ورجال أعمال مرتبطين بالسلطات يسيطرون على أسواق التعدين الأهلي والتقليدي في ولايات الشرق والشمال.

وأضاف المصدر أن هؤلاء يشترون الذهب بأسعار منخفضة ثم يجمعونه وينقلونه إلى مصر، حيث تتم إعادة صهره وتغيير منشأه ليظهر كمنتج مصري قبل إعادة تصديره إلى الأسواق العالمية.

وقال المصدر: “تستغل شخصيات نافذة داخل السلطة المعابر الرسمية بالتنسيق مع جهات مصرية لتهريب كميات ضخمة من الذهب السوداني بهدف الحصول السريع على العملات الأجنبية وتمويل الإنفاق العسكري أو تكوين ثروات شخصية بعيداً عن أي رقابة أو مساءلة.”

تهريب الصمغ العربي

بحسب أحمد الطيب، رئيس شعبة مصدري الصمغ العربي وعضو الغرفة القومية للمصدرين، فإن نحو 40% من إنتاج السودان من الصمغ العربي يتم تهريبه حالياً خارج القنوات الرسمية للدولة عبر الحدود، وتتجه الحصة الأكبر منه إلى مصر وتشاد.

وتُنقل شحنات الصمغ العربي المهرب عبر الطريق الشمالي الرئيسي إلى مصر، حيث يُعاد تعبئتها وتسويقها عالمياً دون شهادات الاستدامة والممارسات الأخلاقية التي تؤكد خلو المنتج من تمويل النزاعات المسلحة.

ويقدّر خبراء بالغرف التجارية السودانية أن ما بين 30 ألفاً و40 ألف طن من الصمغ العربي السوداني المهرب عبر إلى مصر منذ اندلاع الحرب.

مصر وصادرات الصمغ العربي منذ اندلاع الحرب

بدأت صادرات مصر من الصمغ العربي بالتوسع بالتزامن مع اندلاع الحرب في السودان، وسجلت معدل نمو سنوي بلغ 532.6%، حيث ارتفعت كميات الشحنات المصدرة عبر الموانئ المصرية إلى أكثر من خمسة أضعاف.

وبلغت الكميات المصدرة وفق أحدث البيانات المتاحة نحو 912 طناً، بعائدات تقدر بحوالي 4.83 ملايين دولار، مدفوعة بارتفاع أسعار الصمغ العربي عالمياً إلى نحو 5.60 دولارات للكيلوغرام.

وفي عام 2024، احتلت مصر المرتبة السابعة عالمياً بين الدول المصدرة للصمغ العربي للمرة الأولى، رغم عدم امتلاكها لأشجار الهشاب والطلح المنتجة للصمغ العربي، والتي تتركز أساساً داخل حزام الصمغ العربي السوداني الذي يوفر نحو 80% من الإنتاج العالمي.

المساءلة السياسية

يرى مراقبون وخبراء اقتصاديون ومحللون سياسيون أن المسؤولية المباشرة عن هذه التطورات تقع على عاتق قادة الانقلاب العسكري على الحكومة الانتقالية المدنية، معتبرين أن إجهاض عملية التحول الديمقراطي فتح الباب أمام عودة الإسلاميين إلى مؤسسات الدولة وأطلق العنان لشبكات الفساد داخل المؤسسة العسكرية

ويشير هؤلاء إلى أن التحالف بين قيادات عسكرية سودانية ونظرائها في مصر، الذين يسيطرون على قطاعات مؤثرة في الاقتصاد المصري، أسهم في ترسيخ منظومة منظمة لاستنزاف الموارد السودانية عبر تهريب الذهب والصمغ العربي وإعادة تصديرهما، إضافة إلى إبرام صفقات مشبوهة من بينها اتفاقات النحاس مع الصين، وتوجيه العائدات نحو شراء الأسلحة وإطالة أمد الحرب بدلاً من إنهائها.

ويحذر المراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تعميق الانهيار الاقتصادي وتفاقم ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، كما سيعرض مستقبل السودان لمخاطر طويلة الأمد ما لم تتم محاسبة المسؤولين وإعادة الشفافية إلى إدارة الموارد السيادية.

الخلاصة

بين عملة وطنية تفقد قيمتها يوماً بعد يوم، وذهب يُهرّب إلى الخارج ثم يُعاد تصديره تحت أسماء أخرى، وصمغ عربي يُنتج في السودان بينما تجني دول وأطراف أخرى عائداته، تتشكل صورة لدولة تتعرض لاستنزاف منظم لمواردها وثرواتها بينما يواجه شعبها مزيداً من الجوع والفقر والانهيار.

وتكشف هذه الوقائع أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع لإدارة السلطة والثروة بعيداً عن الرقابة والمحاسبة، في ظل توسع شبكات النفوذ والتهريب وتراجع دور مؤسسات الدولة.

ويحذر التقرير من أن هذا النزيف الاقتصادي المستمر، المدفوع بغياب المساءلة وترسخ شبكات الفساد المرتبطة بمراكز القوة، سيدفع السودان نحو مزيد من التفكك والانهيار ما لم تتحرك القوى الوطنية والمجتمع الدولي لوقف استنزاف الموارد، وكشف مسارات الإيرادات والصفقات غير الشفافة، وإعادة بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الشفافية والمحاسبة بدلاً من اقتصاد الغنائم والنهب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!