رأي

الإشاعة السياسية… أخطر أسلحة الحرب على الوعي

نجوي بابو 

 

نجوي بابو 

في عصر الثورة الرقمية، لم تعد الحروب تُخاض بالرصاص وحده، بل أصبحت تُخاض أيضًا بالمعلومة. فالكلمة اليوم قد تُسقط الثقة، وتُربك المجتمعات، وتُغير اتجاه الرأي العام، وقد تكون أكثر تأثيرًا من أي سلاح إذا استُخدمت للتضليل بدلًا من التنوير.

الإشاعة السياسية ليست مجرد خبر كاذب، بل هي محاولة لإعادة تشكيل وعي المجتمع، وصرف اهتمامه عن القضايا الحقيقية إلى معارك وهمية لا تنتهي. إنها أداة تُستخدم لإرباك المشهد، وإشغال الناس بقضايا مفتعلة، بينما تمر القضايا المصيرية بعيدًا عن دائرة الاهتمام والمساءلة.

ولم تعد صناعة الإشاعة عملًا فرديًا كما كانت في الماضي، بل أصبحت، في كثير من الأحيان، نشاطًا منظمًا يستفيد من سرعة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ميل البعض إلى تداول الأخبار دون التحقق من مصادرها. وفي السودان، يطلق الرأي العام على بعض هذه الظواهر مصطلح “الجداد الإلكتروني”، في إشارة إلى الحسابات أو الحملات التي تُتهم بتوجيه النقاشات الرقمية، والترويج لروايات معينة، أو إغراق الفضاء الإلكتروني بمحتوى يشتت انتباه المواطنين ويزيد من حالة الاستقطاب.

ومن أخطر وسائل التضليل انتحال هوية المؤسسات الإعلامية المرموقة. فقد تنتشر صفحات مزيفة تحمل أسماء أو شعارات تشبه وسائل إعلام معروفة مثل “العربية” و”الحدث”، أو تنتحل أسماء شخصيات فاعلة في الشأن السياسي، لترويج أخبار عاجلة أو بيانات وتصريحات ملفقة. ويكمن الخطر في أن كثيرًا من المتابعين يثقون بالاسم قبل أن يتحققوا من المصدر، فتنتشر الإشاعة بسرعة، بينما تتأخر الحقيقة في الوصول.

كما أصبحت الشائعات تستهدف الأشخاص بصورة مباشرة، عبر نشر أخبار كاذبة عن وفاة مسؤول أو سياسي، أو إصابته بمرض، أو اعتقاله، أو استقالته، أو نسب تصريحات لم يدلِ بها. وفي أحيان كثيرة، لا يكون الهدف هو الشخص نفسه، بل إثارة البلبلة، وخلق حالة من الارتباك، وقياس ردود الفعل، أو توجيه النقاش العام بعيدًا عن القضايا الأكثر أهمية.

ولا تتوقف آثار الإشاعة عند حدود الأفراد، بل قد تمتد إلى العلاقات بين الدول، من خلال نشر أخبار أو تصريحات مفبركة تُنسب إلى مسؤولين في دول صديقة أو دول الجوار، بما قد يثير سوء الفهم ويؤثر في العلاقات السياسية والدبلوماسية، ويخلق أزمات كان يمكن تجنبها لو تم التحقق من المعلومات قبل تداولها.

والأشد خطورة هو استهداف النسيج الاجتماعي نفسه، عبر بث الشائعات التي تؤجج الانقسام، وتستهدف مكونات مجتمعية بعينها على أسس قبلية أو عرقية أو دينية أو جهوية، في محاولة لزرع الكراهية وتقويض الثقة بين أبناء الوطن الواحد. فحين تتحول الإشاعة إلى وقود للفتنة، فإنها لا تسيء إلى أفراد فقط، بل تهدد أمن المجتمع واستقراره ومستقبله.

إن مواجهة الإشاعة ليست مهمة الحكومات أو وسائل الإعلام وحدها، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي المواطن. فالتثبت من مصدر الخبر، والتمييز بين الصفحات الرسمية والمزيفة، والامتناع عن إعادة نشر الأخبار قبل التأكد منها، كلها ممارسات بسيطة في ظاهرها، لكنها تمثل خط الدفاع الأول عن الحقيقة.

لقد أثبتت التجارب أن الأكاذيب قد تنتشر بسرعة، لكنها لا تصمد أمام الحقائق. أما المجتمعات التي تحترم العقل، وتُعلي قيمة التحقق، وتقدم الحقيقة على الإثارة، فهي وحدها القادرة على حماية نفسها من حروب التضليل.

ففي نهاية المطاف، قد تُربح معركة بالإشاعة، لكن لا يمكن بناء وطن بها. فالأوطان تُبنى بالحقائق، وتُحمى بالوعي، وتزدهر حين يكون احترام عقل المواطن هو الأساس الذي تقوم عليه السياسة والإعلام والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!