
الفج العميق : الفاهاشم العبيد
يعد بناء دولة التأسيس من أعقد المراحل التاريخية التي تمر بها المجتمعات لا سيما تلك التي تخرج من أطوار النزاعات أو التحولات السياسية الكبرى أو مراحل الاستقلال إن دولة التأسيس ليست مجرد إعلان سياسي أو وثيقة دستورية بل هي عملية وضع القواعد الهيكلية والأنظمة المؤسسية التي ستسير عليها الدولة لعقود قادمة وفي هذا السياق يبرز جدل مستمر حول طبيعة الإدارة والحكم في هذه المرحلة الحساسة وتحديداً بين مفهومين المحاصصة (السياسية أو الطائفية أو القبلية) ومعيار الكفاءة (التكنوقراط والجدارة)
فهل يمكن لدولة تأسيس أن تضمن نجاحها واستمرارها إذا بنيت على أساس المحاصصة دون اشتراط الكفاءة
أولا مفهوم دولة التأسيس والغاية منها
دولة التأسيس هي المرحلة التي توضع فيها اللبنات الأولى للهوية الوطنية والعقد الاجتماعي والمؤسسات السياسية والاقتصادية والقضائية. الهدف الأسمى لهذه المرحلة هو خلق الكيان المستقر القادر على تحقيق أمرين متلازمين
الشرعية والاستقرار من خلال نيل قبول واعتراف كافة مكونات المجتمع
الفعالية والإنتاجية من خلال القدرة على تقديم الخدمات وإنفاذ القانون وبناء اقتصاد مستدام
ثانياً. معضلة المحاصصة دون شرط الكفاءة
تنشأ المحاصصة غالبا كأداة براغماتية (واقعية) لإدارة التنوع أو لترضية النخب السياسية والعسكرية لضمان عدم عودتها للصراع ورغم أنها قد تحقق استقرارا مؤقتا وقصيراً المدى إلا أن اعتمادها دون شرط الكفاءة يفرض تحديات وجودية على مستقبل الدولة أبرزها
تآكل وظيفية المؤسسات عندما يعين المسؤول بناء على ولائه الحزبي أو القبلي وليس على مؤهلاته تتحول المؤسسات من أدوات لخدمة الصالح العام إلى “إقطاعيات” لخدمة مصالح الفئة المهيمنة
انتشار الفساد الهيكلي غياب الكفاءة والمحاسبة يفتح الباب واسعاً أمام هدر المقدرات الوطنية حيث يصبح الحفاظ على توازن المحاصصة أهم من حماية المال العام أو تنفيذ المشاريع التنموية
فقدان الثقة الشعبية يفقد المواطن ثقته في الدولة عندما يرى عجزها عن تلبية الاحتياجات الأساسية (كالتعليم والصحة والبنية التحتية)، مما يضعف العقد الاجتماعي ويهدد السلم الأهلي
العجز عن مواجهة الأزمات دولة التأسيس تواجه عادةً تحديات اقتصادية وأمنية معقدة وإدارتها بعقليات غير مؤهلة يؤدي إلى اتخاذ قرارات عشوائية تفاقم الأزمات بدلاً من حلها
ثالثاً هل تضمن المحاصصة نجاح دولة التأسيس
الإجابة القاطعة هي لا المحاصصة الخالية من شرط الكفاءة لا تضمن نجاح دولة التأسيس بل هي صياغة مؤجلة لفشلها
إن حصر مفهوم النجاح في مجرد توزيع الغنائم والمناصب بين النخب لإسكات صراع مؤقت هو وهم استقرار. النجاح الحقيقي لدولة التأسيس يقاس بقدرتها على البقاء والتطور والاعتماد على الذات
إذا كان توازن المكونات مطلوباً في المراحل الأولى لضمان السلم فإن هذا التوازن يجب أن يتم داخل إطار الكفاءة. بمعنى آخر إذا استدعت الحاجة السياسية أن يمثل وزارةً ما مكونٌ معين فيجب اختيار شخصية تكنوقراط (مختصة ومؤهلة) من داخل ذلك المكون وليس مجرد قيادة سياسية أو حشرية تفتقر للخبرة.
رابعاً الاستشراف والمستقبل
إن مستقبل أي دولة تأسيس تتبنى المحاصصة دون كفاءة يسير في طريقين لا ثالث لهما
الدولة الفاشلة أو الهشة حيث تشل الخلافات السياسية والمصالح الضيقة مؤسسات الدولة مما يجعلها عاجزة عن فرض سيادتها أو حماية مواطنيها وتصبح معتمدة كلياً على المساعدات الخارجية
الاضطرار إلى التصحيح الجذري من خلال ثورات شعبية أو وعي سياسي متأخر يقوده المصلحون لإعادة هيكلة الدولة بناءً على معيار الجدارة (Meritocracy)، حيث يصبح الرجل المناسب في المكان المناسب
إن بناء الدول لا يقوم على النوايا الحسنة أو التسويات الهشة التي ترضي القادة وتهمل بناء الإنسان والمؤسسات إن مستقبل دولة التأسيس مرهون بقدرتها على الانتقال من شرعية التوافق والمحاصصة إلى
شرعية الإنجاز والكفاءة بدون وضع معيار الكفاءة كشرط أساسي لا يقبل التنازل ستظل الدولة تدور في حلقة مفرغة من الأزمات ولن تصبح دولة حقيقية قادرة على الاستمرار والنهوض في عالم لا يعترف إلا بالكيانات القوية والمنتجة




