رأي

تقرير واشنطن يعرّي الوصاية المصرية على السودان

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

لا تكمن أهمية التقرير الاستخباري الأمريكي المسرب في كونه أضاف اتهاماً جديداً إلى سجل الحرب السودانية فحسب، وإنما في أنه وضع أمام الرأي العام الإقليمي والدولي صورة متكاملة لطبيعة الدور المصري داخل السودان، وأعاد ترتيب كثير من الوقائع التي ظلت طوال الفترة الماضية مبعثرة بين الأخبار والتقارير والشهادات الميدانية. فالتقرير، بما احتواه من تفاصيل دقيقة حول حركة الطيران الحربي ومسارات الضربات والأهداف المستهدفة، لا يتحدث عن دعم سياسي أو انحياز دبلوماسي، بل عن تدخل مباشر في صلب العمليات العسكرية داخل دولة ذات سيادة.

لقد ظلت القاهرة لسنوات طويلة تقدم نفسها باعتبارها حريصة على استقرار السودان ووحدته وأمنه القومي، لكن ما أورده التقرير ينسف هذه الرواية من جذورها، ويكشف عن واقع مختلف تماماً. فالدولة التي تزعم أنها تخشى انهيار السودان تظهر في الوثائق باعتبارها طرفاً مشاركاً في استهداف منشآته الحيوية ومرافقه الاستراتيجية ومقومات حياته الاقتصادية والخدمية.

الأخطر في التقرير أنه لا يكتفي بالإشارة إلى عمليات عسكرية متفرقة، وإنما يرسم صورة متكاملة لسياسة منهجية استهدفت البنية التحتية السودانية. فاستهداف سد مروي، ومستودعات الوقود، ومنشآت الطاقة، والجسور، والمرافق الخدمية، لا يمكن تفسيره باعتباره خطأً عسكرياً أو أثراً جانبياً للحرب، بل يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى إضعاف الدولة السودانية وتجريدها من أدواتها السيادية وإبقائها رهينة لحالة العجز والاعتماد على الخارج.

ومن هنا تكتسب العبارة التي ظل يرددها السودانيون لعقود معنى أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ فمصر لم تعد مجرد “جارة السوء”، بل أصبحت، وفق ما تكشفه هذه المعطيات، جارة تفوق سوء الظن العريض. ذلك أن سوء الظن يفترض وجود شكوك أو مخاوف غير مؤكدة، بينما تشير الوقائع الواردة في التقرير إلى أفعال موثقة تتجاوز حدود النفوذ السياسي التقليدي إلى مستوى التأثير المباشر في مصير الدولة السودانية.

وليس خافياً أن جوهر الأزمة السودانية خلال العقود الماضية تمثل في عجز السودانيين عن بناء قرار وطني مستقل بعيداً عن التدخلات الخارجية. غير أن التقرير يسلط الضوء على بُعد أكثر خطورة، وهو أن بعض مراكز القوة داخل السودان لم تكن مجرد متلقية للتأثير المصري، بل تحولت إلى أدوات تتيح لهذا التأثير أن يتمدد ويتغلغل داخل المؤسسات السيادية والعسكرية.

ولهذا فإن الحديث عن “اختطاف الدولة السودانية” لم يعد مجرد توصيف سياسي أو شعار تعبوي. فعندما تصبح المصالح المصرية حاضرة في القرارات المصيرية أكثر من المصالح السودانية، وعندما تتحول مؤسسات يفترض أنها وطنية إلى منصات لحماية أجندات خارجية، فإن مفهوم الاختطاف يصبح توصيفاً أقرب إلى الواقع من أي وصف آخر.

كما أن ما أورده التقرير بشأن وجود مؤشرات على علم مسبق ببعض العمليات يفتح باباً واسعاً للأسئلة حول طبيعة العلاقات التي ربطت بعض مراكز القرار السودانية بالقاهرة طوال سنوات الحرب. فهذه الجزئية تحديداً تجعل القضية أكبر من مجرد تدخل خارجي، لتتحول إلى ملف يتعلق بالمسؤولية المشتركة عن الأضرار التي لحقت بالسودان وشعبه.

إن القيمة الحقيقية لهذا التقرير لا تكمن فقط في ما يقدمه من معلومات، وإنما في كونه يضع السودان أمام لحظة مراجعة تاريخية. فإما أن تُبنى الدولة الجديدة على أساس السيادة الوطنية الكاملة والاستقلال الحقيقي للقرار السياسي والعسكري، وإما أن يستمر إرث الوصاية والتبعية الذي قاد البلاد إلى هذا المستوى من الانهيار.

لقد كشف التقرير جانباً من الحقيقة التي حاول كثيرون إنكارها طويلاً: أن معركة السودان لم تكن مجرد حرب داخلية، بل كانت أيضاً صراعاً ضد شبكات نفوذ إقليمية سعت إلى إبقاء البلاد ضعيفة ومجزأة وخاضعة. وبينما تتكشف الوثائق وتتراكم الأدلة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى دولة سودانية حرة الإرادة، لا تُدار من خارج حدودها، ولا تُختطف قراراتها باسم المصالح المشتركة أو الشعارات الجوفاء. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لوطن أن ينهض ما دامت مفاتيح مستقبله في يد غير أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!