
الكجنكي يكتب !!!
إن فرضية أن السودان (مركز دائرة الوجود) أو نقطة التوسط الكونية والتاريخية للحضارة الإنسانية ليست مجرد فكرة رمزية، بل هي أطروحة قائمة على قرائن علمية متقاطعة تجمع بين الجغرافيا الفيزيائية، والجيولوجيا، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، والتاريخ الحضاري….
عندما ننظر إلى الأرض ليس فقط ككوكب مغلق،،، بل كمسرح تفاعلي نشأ فيه الإنسان وتحرك عبره، يبرز السودان كبؤرة هندسية وتاريخية عبر أربعة محاور علمية رئيسية!!!
أولاً: المنظور الجغرافي والجيومتري
يمثل مركز ثقل اليابسة القديمة فإذا أردنا تحديد مركز الأرض استناداً إلى الجغرافيا البشرية والتاريخية، فإننا نتحدث بالضرورة عن العالم القديم (آفرو-أوراسيا) حيث نشأت وتطورت الحضارات البشرية طوال 99% من التاريخ المكتوب….
فالتوازن الكتلي والجيومتري الذي تشكله قارات أفريقيا، وآسيا، وأوروبا كتلة يابسة متصلة… وعند حساب مركز الثقل الهندسي والكتلي لهذه المساحة الشاسعة،،،نجد أن منطقة شمال شرق أفريقيا (التي يمثل السودان قلبها) هي النقطة المركزية التي تتوسط المسافات بين أطراف القارات الثلاث….
وعند النظر الي بوابة الاتجاهات الأربعة يقع السودان في نقطة التلاقي والتمايز الأبرز على الكوكب ..حيث يمثل خط التماس بين الصحراء الكبرى القاحلة في الشمال وحزام السافانا والغابات الاستوائية المطيرة في الجنوب. كما يطل على البحر الأحمر ليربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، مما يجعله “المفترق الطبيعي” الذي تتباعد وتتلاقى عنده الاتجاهات الجغرافية الكبرى.
ثانياً: المنظور الأنثروبولوجي والجينات
(شريان الخروج البشري الأول )
علمياً يُجمع علماء الأنثروبولوجيا ومطوروا علم الجينات السلالية على أن مهد الجنس البشري الحديث (Homo sapiens) وموطنه الأول يقع في منطقة شرق إفريقيا (على طول امتداد أخدود الصدع العظيم)…. وهذه مرحلة ما بعد البشرية الاولي والتي نشأت في قلب السودان جنوباً…
وهنا يمثل الممر الأخضر الإجباري نقطة البداية عندما بدأت المجموعات البشرية الأولى بالهجرة والانتشار لتعمير بقية قارات العالم (فيما يُعرف بنظرية الخروج من إفريقيا)،،،كان السودان ومجرى نهر النيل هو الممر البيئي الوحيد الصالح للحياة وسط البيئات الصحراوية المحيطة القاسية.
كما أن نقطة التشعب الإشعاعي مثلت تحرك البشر الأوائل من الهضاب الاستوائية صعوداً مع مجرى النهر عبر السهول السودانية الشاسعة، ومن هذه البقعة بالذات تفرعت مساراتهم ،،،فمنهم من اتجه شرقاً عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، (شعوب اليمن والهند وفارس)ومنهم من واصل شمالاً عبر سيناء إلى آسيا وأوروبا…. بهذا المعنى الجيني فإن السودان هو البؤرة الفيزيائية التي انطلقت منها دائرة الوجود البشري لتعمر الأرض…
ثالثاً المنظور الهيدرولوجي والجيولوجي
(ملتقى النيلين ومجمع الطاقتين)
تمثل نقطة التقاء النيل الأزرق والنيل الأبيض في الخرطوم ظاهرة هيدرولوجية فريدة لا مثيل لها على كوكب الأرض مطلقاً وهذا أحد أبواب البحث عن موضع إبراهيم بين النيلين وموضع (البيت) الاول (بكة)،،،، فاندماج القوى الطبيعية في النيل الأبيض الذي يمثل التدفق الهادئ والمستمر والعميق القادم من البحيرات الاستوائية الساكنة العريقة،،، بينما يمثل النيل الأزرق التدفق الموسمي الهائل، السريع، والغني بالمعادن والطمي البركاني الخصيب (هابطاً)من الهضبة الحبشية(السودان القديم)….
والعجيب أنه حيث يلتقي هذان النهران المتباينان في طبيعتهما الفيزيائية في قلب السودان ليشكلان النيل العظيم الذي شق طريقه عبر آلاف الأميال من الصحراء القاحلة ليصنع شريان الحياة في وادي النيل. هذا الاندماج المائي يمنح السودان صفة المولد المركزي للخصوبة والحياة…
وهنا تظهر أعجوبة الدرع الجيولوجي الثابت حيث يرتكز السودان على ما يسمي الدرع العربي النوبي والكراتون الأفريقي (وكليهما وجب تسمينهما بالدرع السوداني)وهي من أقدم وأثبت الكتل الصخرية الصلبة في قشرة الأرض،ويمتد عمرها الي 2-3.5 مليار سنة حيث يقع السودان متاخماً لكراتون (تنزانيا) وكراتون الكونغو مما يجعله مركزاً جيولوجياً مستقراً وثابتاً عبر مئات الملايين من السنين،،، وغير قابل للانهيار او التعرض للهزات الأرضية كما يجعله منطقة تركيز للمعادن الطبيعية الأغلي في العالم…
رابعاً المنظور الحضاري والتاريخي
(بوتقة الانصهار الإنساني الأكبر)
التاريخ الإنساني يبرز أن الحضارات الكبرى لا تنشأ في العزلة، بل في نقاط التماس الكبرى حيث تلتقي الثقافات وتتحاور ويحدث تلقائياً صهر الهويات الهائل وفيه يُعد السودان تاريخياً الجسر الثقافي والعرقي الأبرز عالمياً…حيث التقت وانصهرت الهويات الإفريقية (الزنجية ) أصل البشرية مع الهويات المتفرعة من الأصل البشري الأسود والمتحولة عبر الزمن الي أصباغ مختلفة عززها هبوط جميع الرسل في السودان مما أسهم في أصالة الحضارة الكوشية حيث لم يكن السودان مجرد معبر للهجرات، بل كان مركزاً لإنتاج الحضارة والسيادة،،،وازدهرت على أرضه حضارة كرمة (التي تُصنف كواحدة من أقدم الإمبراطوريات المنظمة في أفريقيا) ومملكة كوش بعواصمها التاريخية (نبتة ومروي)، والتي تركت خلفها أكبر وأقدم تجمع للأهرامات في العالم كشاهد هندسي على وعي الإنسان المبكر بربط الأرض بالفلك والكون.
خلاصة علمية:
إذا قمنا برسم خريطة شعاعية تتبع حركة التطور البشري، وتوزيع الموارد المائية الكبرى، والاتصال القاري والجيولوجي، سنجد أن السودان يقف هندسياً وتاريخياً في بؤرة هذه الدائرة. إنه (النواة) التي تتفرع منها خطوط الاتصال التاريخية والجغرافية، مما يجعل أطروحة السودان كمركز لدائرة الوجود فكرة ذات ركائز علمية صلبة…
والشاهد التاريخي لهذا المنظور يتطور ويتضح كل يوم بجلاء أكبر بكثير عما كان عليه في الماضي وحقاً سيكون هذا الاكتشاف الذي سبق. الجميع اليه قولاً الاستاذ محمود محمد طه هو الأصل في الارض جميعها حيث أسهم (التيه) المضروب علينا كبني إسرائيل في تغييب هذا المعنى كما أن تسلط قوي ظلامية جعل هذا المورد يبدو جافاً بينما هو في حقيقته مركز الوجود الإنساني،،،
وسيقتلعون ورب بكة في النيل الأزرق
سيقتلعون،،
ثم لنشهد نهضة هذه البلاد !!!




