تقارير وتحقيقات

الأبيض في قلب المعادلة الدولية: ممرات إنسانية تفضح سلطة بورتسودان

التنوير : تقرير زينب حسن سعيد 

 

التنوير : تقرير زينب حسن سعيد 

قرار جنيف الأممي يضع المدنيين تحت المجهر الدولي

في السادس من يوليو، وبإجماع لافت يعكس حجم القلق الإنساني المتصاعد، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف قراراً حاسماً، طالب فيه بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان بإجراء تحقيق عاجل وشامل في مزاعم الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي ارتُكبت في مدينة الأبيض ومحيطها.

ولم يكن هذا القرار وليد الصدفة أو مجرد استجابة عابرة لتطورات ميدانية طارئة، بل جاء تتويجاً لجلسة نقاش عاجلة عقدها المجلس حول الحالة الإنسانية المتدهورة في عاصمة شمال كردفان، بطلب قدمته مجموعة من الدول المؤثرة، ضمت ألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج والمملكة المتحدة، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الاهتمام الدولي بما يجري في المدينة ومحيطها.

ويضع هذا التحرك الأممي مدينة الأبيض رسمياً تحت المجهر الدولي، بعدما كلف القرار البعثة المستقلة بتقديم تحديثات دورية وتقارير مفصلة إلى كل من مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأشهر المقبلة.

ولا تمثل هذه الخطوة مجرد إدانة دبلوماسية أو موقف سياسي عابر، وإنما تفتح الباب أمام مسار قانوني وحقوقي متصاعد يهدف إلى توثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وحفظ الأدلة، ومنع الإفلات من العقاب.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الأبيض تصاعداً خطيراً في التوترات العسكرية، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي اتساع نطاق المواجهات إلى تعريض حياة مئات الآلاف من المدنيين للخطر، في مدينة تمثل مركزاً سكانياً واقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية في قلب السودان.

دبلوماسية الممرات الإنسانية تعرّي مواقف سلطة بورتسودان الرافضة

في كل الحروب والصراعات المسلحة تظل هناك حقيقة أخلاقية وقانونية لا تقبل التجزئة أو المساومة: المدنيون ليسوا جزءاً من المعركة، ولا يجوز تحويلهم إلى أدوات عسكرية أو أوراق تفاوضية في صراع المتحاربين.

ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش جاد حول الوضع الراهن في مدينة الأبيض يجب أن ينطلق من سؤال جوهري: هل يملك سكان المدينة الحق في مغادرتها بأمان إذا شعروا بأن نيران الحرب باتت تهدد حياتهم وأسرهم؟

الإجابة التي يقررها القانون الدولي الإنساني، ويؤكدها الضمير الإنساني، هي نعم، بلا تردد أو مواربة.

وفي هذا الصدد برز موقف وطني وإنساني مسؤول من جانب تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، الذي أعلن بوضوح استعداده الكامل للتعاون في فتح ممرات إنسانية آمنة تضمن الخروج الطوعي للمدنيين الراغبين في مغادرة المدينة، بعيداً عن أخطار المواجهات العسكرية المحتملة.

ويكتسب هذا الموقف أهمية كبيرة لأنه لا يكتفي بإطلاق شعارات عامة حول حماية المدنيين، وإنما يطرح آلية عملية ومباشرة لإنقاذ الأرواح، تتمثل في إجلاء الراغبين في المغادرة وتأمين الطرق التي يسلكونها، بالتنسيق مع الجهات الإنسانية الدولية.

وفي المقابل، يتجسد الرفض المستمر من جانب سلطة بورتسودان لأي ترتيبات تتصل بفتح الممرات الإنسانية بوصفه عقبة كؤود أمام إنقاذ المدنيين.

ولا يمكن فصل هذا الرفض عن الطريقة التي تنظر بها قيادة بورتسودان إلى وجود السكان داخل المدن الواقعة في مناطق العمليات، باعتبارهم ورقة ضغط سياسية وإعلامية، وعنصراً يمكن توظيفه في إدارة الحرب واستدرار التعاطف الدولي.

إن الامتناع عن تسهيل خروج المدنيين يعري زيف الخطابات التي ترفعها سلطة بورتسودان بشأن حماية الشعب، ويكشف استعدادها لتعريض حياة الآلاف للخطر مقابل مكاسب عسكرية وسياسية ضيقة.

تحالف تأسيس يطرح رؤية عسكرية منضبطة بالقانون الدولي

في بيان قانوني وسياسي حظي باهتمام واسع، قدم تحالف السودان التأسيسي رؤية متماسكة حول الأوضاع في مدينة الأبيض، واضعاً النقاط على الحروف فيما يتصل بمسألة العمليات العسكرية داخل المدن المأهولة بالسكان.

وجاء البيان على خلفية مناقشات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ليقدم موقفاً يستند إلى المبادئ المستقرة في القانون الدولي الإنساني، ويجمع بين مشروعية استهداف الأهداف العسكرية وضرورة اتخاذ الاحتياطات الكاملة لحماية المدنيين.

وأوضح التحالف أن مدينة الأبيض تضم قواعد عسكرية وقوات مقاتلة وغرف عمليات ومراكز قيادة ومستودعات ذخيرة ووسائل نقل عسكرية ومنشآت تستخدم بفاعلية في إدارة العمليات العسكرية وشن الهجمات على مناطق مختلفة.

وبموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن هذه المنشآت تكتسب صفة الأهداف العسكرية المشروعة، ولا تزول عنها هذه الصفة لمجرد وجودها داخل مدينة مأهولة بالسكان.

كما شدد التحالف على التزامه بأحكام المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، وقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، إلى جانب مبادئ الضرورة العسكرية والتمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم.

وأكد البيان أن وجود المدنيين لا يمنح القوات العسكرية المتحصنة داخل المدن حصانة مطلقة، لكنه يفرض على الطرف الذي ينفذ العمليات العسكرية التزاماً صارماً باختيار الوسائل الأقل ضرراً، والامتناع عن الهجمات التي يُتوقع أن تؤدي إلى خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة.

ومن هنا جاءت الدعوة المتكررة من تحالف السودان التأسيسي إلى فتح ممرات آمنة تسمح بخروج المدنيين الراغبين في المغادرة طوعاً، باعتبارها خطوة ضرورية لتقليل آثار الحرب ومنع تحويل السكان إلى دروع بشرية.

فخ التساوي الأخلاقي بين المرونة الوطنية والتعنت العسكري

من أكبر الأخطاء المنهجية التي تقع فيها بعض المؤسسات الدولية والأطراف الإقليمية محاولة الوقوف على ما تسميه «مسافة واحدة» من طرفي النزاع، وصياغة المواقف بلغة تعميمية تضع المبادر والمعرقل، والمتجاوب والرافض، في سلة واحدة.

إن هذا التساوي الأخلاقي يمثل تجنياً كبيراً على تحالف السودان التأسيسي، الذي أبدى مرونة واضحة تجاه المبادرات الإنسانية، وأعلن استعداده للتعاون بشأن فتح الممرات الآمنة، وتأمين حركة المدنيين، وتسهيل عمل المنظمات الدولية.

ولا يستقيم أخلاقياً أو سياسياً أن تتم مساواة طرف يعلن استعداده لفتح الطرق أمام المدنيين والعاملين في المجال الإنساني بطرف يرفض خروج السكان ويضع العراقيل البيروقراطية والأمنية أمام عمليات الإغاثة.

إن مساواة من يطالب بحماية المدنيين ويعرض التعاون مع المنظمات الدولية بمن يغلق الطرق ويحول الكثافة السكانية إلى غطاء عسكري وسياسي تمثل تشويهاً للحقائق، وإسهاماً غير مباشر في إطالة أمد المعاناة.

كما أن لغة التوازن المصطنع تضعف فاعلية الضغوط الدولية، لأنها تعفي سلطة بورتسودان من المسؤولية المباشرة عن تعنتها، وتسمح لها بالاختباء خلف بيانات عامة لا تسمي المعرقلين ولا تحدد مسؤولياتهم.

إن المرونة التي أظهرها تحالف تأسيس يجب أن تقابل بتقدير دولي واضح، وأن تنعكس في الخطاب الأممي والإقليمي، بدلاً من الاستمرار في صياغات فضفاضة تساوي بين مواقف لا تتساوى في طبيعتها أو نتائجها.

عقلية الاختطاف والارتهان الخارجي تقيد قرار الجيش

في قراءة سياسية دقيقة لطبيعة الأزمة، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الرحمن حسن أبورندة، من ولاية بنسلفانيا الأمريكية، إن جميع المؤشرات السياسية والعسكرية تؤكد أن سلطة بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان تمثل العقبة الكؤود أمام الوصول إلى أي اتفاق سلام ينهي الحرب في السودان.

وأوضح أبورندة أن البرهان لا يملك القرار السياسي والعسكري بصورة مستقلة، وأنه تحول إلى واجهة لسلطة تتنازعها مراكز نفوذ داخلية وخارجية متعددة.

وأشار إلى أن الجيش بات واقعاً تحت اختطاف الحركة الإسلامية وكتائبها، التي تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره الضمانة الأخيرة لبقاء مشروعها السياسي، وترى في أي اتفاق سلام حقيقي نهايةً لنفوذها وعودة محتملة لمسار التحول المدني.

وأضاف أن قرار الجيش يعاني، في الوقت نفسه، من اختراق وتجاذب إقليمي بين النفوذ المصري والسعودي، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية أسيرة لمحاور خارجية ومصالح إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالح الشعب السوداني.

ويرى أبورندة أن هذا التداخل بين الاختطاف الإسلاموي والارتهان الخارجي أفرغ قيادة الجيش من القدرة على اتخاذ قرار مستقل وشجاع بإنهاء الحرب.

كما جعل المجتمع الدولي أمام شريك تفاوضي لا يملك كامل الصلاحيات، ولا يستطيع تقديم التزامات قابلة للتنفيذ دون الرجوع إلى مراكز نفوذ متناقضة ومتعددة.

ويفسر هذا الوضع، بحسب أبورندة، حالة التعثر المستمرة التي تصاحب كل المبادرات السياسية، حيث تدخل سلطة بورتسودان المفاوضات تحت الضغط، ثم تعود إلى التراجع فور اصطدام أي اتفاق بمصالح الحركة الإسلامية أو الحسابات الإقليمية المتداخلة.

الأبيض رهينة الدروع البشرية وحسابات التوظيف السياسي

وفيما يتعلق بالوضع الميداني والإنساني في مدينة الأبيض، أشار أبورندة إلى أن الموقف الذي قدمه تحالف السودان التأسيسي عكس قدراً كبيراً من المسؤولية الوطنية والحرص على حماية المدنيين.

وأوضح أن إعلان الاستعداد لفتح ممرات آمنة والسماح بخروج السكان يعبر عن فهم متقدم لالتزامات أطراف النزاع بموجب القانون الدولي الإنساني.

وفي المقابل، قال إن مقاطع فيديو وشهادات متداولة تشير إلى أن جيش سلطة بورتسودان يتعامل مع وجود المدنيين داخل الأبيض باعتباره غطاءً عسكرياً وسياسياً، ويرفض السماح لهم بالخروج من المدينة.

وأشار إلى أن الكثافة السكانية تمنح سلطة بورتسودان قيمة دعائية وإعلامية، إذ تراهن على أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى خسائر مدنية يمكن توظيفها ضد تحالف السودان التأسيسي.

وبناء على هذه الحسابات، فإن منع المواطنين من المغادرة لا يبدو إجراءً لحمايتهم، بل يمثل محاولة للإبقاء عليهم داخل منطقة العمليات، بما يقيّد خيارات تحالف تأسيس ويمنح جيش بورتسودان غطاءً سياسياً وإنسانياً.

إن تحويل مدينة كاملة إلى رهينة، واستخدام سكانها دروعاً بشرية أو وسيلة لتحقيق مكاسب دعائية، يمثل انتهاكاً جسيماً للمبادئ الإنسانية والقانونية، ويستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً.

شهادات حية توثق قمع المدنيين بتهمة التعاون

لم تتوقف المخاوف عند حدود منع المدنيين من مغادرة الأبيض، بل امتدت إلى تقارير وشهادات عن تعرض بعض المواطنين لانتهاكات واعتقالات ومضايقات بدعوى التعاون مع تحالف السودان التأسيسي.

وأكد أبورندة أن مقاطع مصورة متداولة أظهرت ممارسات مثيرة للقلق، شملت توقيف مواطنين، وتفتيش هواتفهم، والتحقيق معهم على خلفية آرائهم أو محاولاتهم البحث عن طرق آمنة لمغادرة المدينة.

كما تحدثت شهادات عن اتهامات جاهزة بالتخابر أو العمالة، تُوجه إلى كل من يعارض استمرار الحرب أو ينتقد أداء جيش سلطة بورتسودان والكتائب الإسلامية المساندة له.

وتبرز أيضاً مخاوف من استهداف بعض المكونات الاجتماعية والجهوية على أساس تصورات مسبقة بشأن مواقفها السياسية أو علاقتها المفترضة بتحالف السودان التأسيسي.

إن هذه الممارسات، حال ثبوتها، تمثل انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية للمواطنين، وتكشف أن المدنيين لا يواجهون خطر الحرب وحده، بل يواجهون أيضاً خطر القمع الداخلي والاشتباه التعسفي.

ومن هنا تكتسب مهمة بعثة تقصي الحقائق أهمية مضاعفة، لأنها مطالبة بالتحقيق في جميع الانتهاكات، بما فيها القيود المفروضة على حركة السكان، والاعتقالات التعسفية، وسوء المعاملة، واستخدام المدنيين في الأغراض العسكرية أو الدعائية.

فليتشر ودقلو يبحثان مسارات الإغاثة الإنسانية المعطلة

على الصعيد الدبلوماسي والإنساني، أجرت الأمم المتحدة اتصالات مكثفة مع الأطراف الفاعلة للبحث عن حلول عملية تضمن وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.

وفي هذا السياق، أجرى وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، اتصالاً هاتفياً مع الفريق أول محمد حمدان دقلو موسى، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام الانتقالية، تناول تصاعد الأعمال القتالية في السودان، بما في ذلك الأوضاع بمدينة الأبيض.

وشدد فليتشر خلال الاتصال على ضرورة تأمين حركة المدنيين وضمان وصول العاملين في المجال الإنساني إلى المحتاجين، إلى جانب تسهيل عمليات الإغاثة المنقذة للحياة دون عوائق.

كما أعرب عن قلقه إزاء تأثير هجمات الطائرات المسيّرة على المدنيين والبنية التحتية الأساسية التي يعتمدون عليها، بما في ذلك المرافق الصحية والخدمية.

وناقش الطرفان كذلك التحديات البيروقراطية والأمنية التي تؤثر على قدرة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية على تنفيذ عمليات الإغاثة.

ويكشف هذا الاتصال أن المجتمع الدولي بات يبحث بصورة مباشرة عن أطراف قادرة على تقديم التزامات عملية بشأن حماية المدنيين وفتح الطرق أمام المساعدات.

وفي الوقت الذي أبدى فيه الفريق أول محمد حمدان دقلو موسى، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام الانتقالية، استعداد تحالف السودان التأسيسي للتعاون مع الأمم المتحدة، ظلت العقبات الإدارية والأمنية التي تفرضها سلطة بورتسودان إحدى أبرز المعضلات التي تشل حركة المنظمات الإنسانية.

وتشمل هذه العراقيل تأخير التصاريح، وتقييد حركة العاملين الدوليين، وتعطيل عبور شاحنات الإغاثة، ورفض بعض المسارات المقترحة لإيصال المساعدات عبر الحدود أو خطوط التماس.

السقوط الأخلاقي لشعارات الحماية لسطة بورتسودان

إن السلوك الفعلي لسلطة بورتسودان يكشف عن فجوة عميقة بين الشعارات التي ترفعها والواقع الذي تفرضه على المدنيين.

فبينما يتحدث إعلامها عن السيادة وحماية المواطنين، تشير الوقائع إلى أن السكان يُمنعون من مغادرة مناطق الخطر، ويواجهون الجوع والمرض والقصف والاعتقال داخل مدن تحولت إلى ساحات عسكرية.

إن السلطة التي تحترم حياة مواطنيها لا تمنعهم من الخروج من مناطق العمليات، ولا تربط حقهم في الأمان بمواقفهم السياسية أو ولائهم العسكري.

وحماية المدنيين لا تتحقق عبر البيانات والخطابات، بل من خلال السماح الفوري بفتح الممرات الإنسانية، وإبعاد المعسكرات والآليات الثقيلة وغرف العمليات عن الأحياء السكنية، والتعاون غير المشروط مع وكالات الإغاثة الدولية.

كما تتطلب حماية المدنيين وقف خطاب التخوين والتحريض ضد السكان، وإنهاء الاعتقالات القائمة على الشبهات والانتماءات الاجتماعية، وضمان حرية الحركة والوصول إلى الغذاء والدواء.

إن رفض هذه الاستحقاقات الإنسانية ينسف مصداقية الخطاب الذي ترفعه سلطة بورتسودان، ويؤكد أنها لا تزال تقدم منطق الحرب على منطق السلام، وتضع حسابات السلطة فوق حياة الإنسان السوداني.

خارطة طريق أممية لكسر الجمود وإنقاذ المدنيين

أمام هذا المشهد المعقد، تبرز الحاجة إلى خارطة طريق دولية وإقليمية تتجاوز حدود الإدانة اللفظية والمناشدات التقليدية، وتنتقل إلى ممارسة ضغوط حقيقية على الجهات التي تعرقل السلام والعمل الإنساني.

وينبغي أن يمثل قرار مجلس حقوق الإنسان بشأن الأبيض نقطة انطلاق لاستراتيجية دولية أكثر صرامة ووضوحاً.

وتبدأ هذه الاستراتيجية بتسمية الجهات المعرقلة للممرات الإنسانية والعملية السلمية، وعدم الاكتفاء بصياغات عامة تساوي بين الأطراف مهما اختلفت مواقفها.

كما يجب فرض عقوبات ذكية وموجهة ضد القيادات والعناصر التي تعمل على تعطيل جهود السلام، وتصر على إبقاء المدنيين داخل مناطق العمليات العسكرية.

ومن الضروري أيضاً إنشاء آلية دولية لمراقبة الممرات الإنسانية وحركة المدنيين، على أن تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإنسانية المستقلة.

كما يتعين ضمان حصول بعثة تقصي الحقائق الدولية على الموارد والدعم السياسي والفني اللازمين لأداء مهمتها، وحماية الشهود والضحايا، وجمع الأدلة بطريقة مهنية ومستقلة.

ويجب كذلك الضغط من أجل إبعاد الأهداف العسكرية عن المناطق السكنية، ووقف استخدام المدن المكتظة قواعد لإدارة العمليات العسكرية أو منصات لإطلاق الطائرات المسيّرة والمدفعية.

إن حماية الأبيض لا تتحقق بتحويلها إلى قلعة عسكرية مغلقة على سكانها، وإنما بمنح أهلها حق الاختيار بين البقاء والمغادرة، وضمان وصول المساعدات إليهم دون عوائق.

لقد بات واضحاً أن سلطة بورتسودان تمثل المعيق الأساسي أمام تنفيذ كثير من القرارات والمبادرات الصادرة عن المجتمع الدولي ومنظماته، وأن استمرار التعامل مع طرفي الحرب وكأن مواقفهما متطابقة ينطوي على تجنٍّ كبير على تحالف السودان التأسيسي، الذي أبدى مرونة واستعداداً واضحاً للتعاون في الملفات الإنسانية والسياسية.

إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بمغادرة منطقة التوازن اللفظي المريح، والانتقال إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة المعرقلين، لأن السلام لا يصنعه الحياد بين من يفتح الطريق ومن يغلقه، ولا بين من يقبل المبادرات ومن يحول المدنيين إلى رهائن.

وتقف مدينة الأبيض اليوم أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، فيما تقع المسؤولية الأخلاقية والتاريخية على عاتق المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية لترجمة قرار جنيف إلى إجراءات عملية تحمي المدنيين، وتفتح الممرات الإنسانية، وتمنع الإفلات من العقاب.

إن نجاح القرار لن يقاس بقوة عباراته، وإنما بقدرته على تغيير الواقع فوق الأرض، وإنقاذ حياة السكان، وكسر قبضة الجهات التي تتخذ من الحرب وسيلة للبقاء في السلطة.

فالأبيض ليست مجرد مدينة في مسار المواجهات العسكرية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لصدقية المجتمع الدولي، ولمدى استعداده للانحياز إلى حقوق المدنيين، ومواجهة من يعرقلون السلام، وإنهاء الحرب التي يدفع ثمنها الأبرياء قبل غيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!