
عمار نجم الدين
ليست كل الحكومات متشابهة بعضها يأتي ليُدير حظيرة قائمة، وبعضها يأتي ليعلن أن (الأخ الأكبر ) في الخرطوم قد فقد صلاحية احتكار الأعلاف، وأن “وزارة الثروة الحيوانية ” لم تعد قادرة على إقناع جبال النوبة والنيل الأزرق بأن الذبح هو قمة التكريم الوطني.
طوال عقود، صُممت بنية الدولة وفق الأبستمولوجيا الزرائبية؛ تلك المعرفية السلطوية التي تُصنّف البشر والبلاد كقطعان في زريبة المركز، وتُدار بالنهج ذاته الذي يفرز الماشية بين الحلوب والمعدّة للذبح. ووفق هذه البنية، ظل الإنسان في المنطقتين مجرد حطب للحروب؛ يُطالب بدفع فاتورة الوطن بالدم، ويُمنع من كتابة ميزانيته. إنها الآلية ذاتها التي التفت إليها الأب قلب عباس قبوش نحن حتى في الكورة بنقيق وراء شوفوا حامد بريمة حارس مرمي )). كان على أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق أن يحرسوا شباك الآخرين، بينما يسجل المركز أهداف الانتصار الزائف، ليعودوا في النهاية إلى الرِّبْق القديم، حيث تُربط الرقاب في حبل التبعية بانتظار دورة التضحية القادمة.
اليوم، يتوقف الضحية عن حراسة شباك الجلاد. إن انتقال جبال النوبة والنيل الأزرق عبر “حكومة تأسيس” إلى موقع الحقائب السيادية والاستراتيجية ليس مجرد مقاعد إضافية في حافلة السلطة، بل هو نسف كامل لتلك الأبستمولوجيا الزرائبية وتحديث للقاموس البنيوي. الفارق هنا هو الفارق بين “المشاركة الصورية” و”السلطة الفعلية”؛ فاليوم نتحدث عن سلطة للمنطقتين تمتلك الأرض والمؤسسة، وتفرض نفسها رقماً يستحيل شطبه بممحاة المركز.
لكن الامتحان الأكبر ليس عسكرياً، بل يكمن في مواجهة “شرطة الفكر” التي تصنع سيكولوجية الإنسان المستذل. فالقهر الممتد ينسخ وعياً مشوهاً يجعل الكائن الذي اعتاد التبعية يخشى الحرية ويتشبث بـ الرِّبْق، معتبراً أن الاستجداء من الخرطوم هو المنطقة الآمنة الوحيدة.
من هذا المنظور ، نتأمل المشهد الهزلي لشخصيات مثل شمس الدين الكباشي، حسن كبرون، ومالك عقار؛ نخب من المنطقتين ارتقت إلى أعلى المنظومة القديمة بعد أن روّضتها ثقافة الزريبة، فبقيت بلا أنياب، مجرد “مصحّات سياسية” لعزل مطالب مجتمعاتهم وتدجينها، ليعودوا مجدداً إلى دور حارس المرمى الذي يحمي شباك “الأخ الأكبر”. لقد ارتضى هذا الوعي المستذل أن يكون حارساً للسور الذي يسجن أهله.
إن معركة جبال النوبة والنيل الأزرق اليوم هي معركة تحرير الوعي وتفكيك سيكولوجية التبعية. والانتصار الحقيقي لن يتحقق بمجرد سقوط البنية القديمة، بل عندما تنجح هذه المؤسسات الجديدة في العيش، وفي إثبات أن من يملك الأرض وحبر التاريخ في المنطقتين، هو وحده من يملك حق صياغة المستقبل، دون أن ينتظر من الخرطوم صكاً بالوجود.
عمار .




