
أبو عبد الله الراشدي
“هذا زمانكِ يا مهازل فامرحي”… عبارة قديمة تتردد كلما ضاقت اللغة عن وصف مفارقات الواقع. غير أن ما أدلى به المستشار السياسي لسلطة بورتسودان، محمد محمد خير، في تعليقه على قرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً، جعل هذه العبارة تبدو وكأنها الوصف الأدق للحظة السياسية الراهنة.
فالرجل أطلق تصريحاً يجعلك ترفع حاجبك فوق مستوى الدهشة والتعجب. ليس لأن الموقف يحمل تحليلاً سياسياً عميقاً أو قراءة مغايرة للمشهد، بل لأن حديثه بدا خالياً من أي حوامل موضوعية أو قانونية يمكن أن تسند ما قاله. وكأن الكلام أُطلق على عواهنه، فقط ليقال شيء في مواجهة حدث سياسي كبير.
المفارقة أن المستشار حاول إبعاد القيادي الإسلامي علي كرتي عن دائرة القرار الأمريكي، موجهاً سهام الحديث نحو الدكتور علي الحاج، في قراءة بدت أقرب إلى محاولة دفاع سياسي منها إلى تحليل واقعي لما يجري. فمن يتابع المشهد السوداني خلال العقود الماضية يدرك أن اسم كرتي ظل أحد أبرز الأسماء المرتبطة ببنية الحركة الإسلامية في السودان، وأن حضوره السياسي والتنظيمي لم يكن يوماً تفصيلاً هامشياً.
لكن ما بدا واضحاً في تصريحات المستشار ليس مجرد قراءة سياسية ضعيفة، بل رغبة ظاهرة في الدفاع عن “ولي النعمة”، حتى وإن جاء ذلك عبر خطاب مرتبك لا يستند إلى وقائع راسخة أو تحليل موضوعي.
والمؤسف أن الحديث يدور حول شخصية مثقلة أصلاً بملفات ثقيلة من الجدل السياسي والتاريخي. فعلي كرتي، بالنسبة لكثير من المنتقدين، يمثل واحداً من أبرز وجوه مرحلة ارتبطت في الذاكرة السودانية بقضايا الفساد والاستبداد وتغول السلطة، فضلاً عن الاتهامات التي طالت رموز تلك المرحلة في ما يتعلق بجرائم الحرب والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان.
ومن هنا تبدو محاولة تقديم رواية تبريرية جديدة أقرب إلى إعادة تدوير خطاب قديم لم يعد يقنع أحداً. فالعالم الذي اتخذ قراره لم يفعل ذلك في فراغ، بل استند – وفقاً لقراءات عديدة – إلى تراكم طويل من الوقائع والتقارير المرتبطة بسنوات من الصراع والانتهاكات التي عاشتها البلاد.
إن القرار، في نظر كثيرين، يمثل لحظة انتصار رمزية لضحايا الحرب والنازحين واللاجئين والمهجرين قسراً، ولأولئك الذين عانوا طويلاً من التهميش السياسي والاجتماعي. لكنه في المقابل بدا عند بعض المدافعين عن النظام القديم مجرد ملف يمكن الالتفاف حوله بتصريحات إعلامية عابرة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحول النقاش حول قضية بهذا الحجم إلى محاولة تبرئة شخصية بعينها، حتى وإن جاء ذلك عبر تصريح فج يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق والمنطق.
وهكذا، وبينما يحاول البعض إعادة كتابة الرواية، يبقى الواقع أكثر صلابة من الكلمات… ويظل السؤال معلقاً في الهواء: هل يمكن حقاً الدفاع عن ما لا يمكن الدفاع عنه؟



