
يعقوب التجاني إبراهيم
المحامي والمستشار القانوني
لا سلام مستدام دون مساءلة… ولا عدالة دون شجاعة تسمية الحقيقة
رسالة إلى مؤتمر برلين
بسم الله الرحمن الرحيم
تدخل الحرب في السودان عامها الرابع، بينما تتوالى الدعوات الدولية والإقليمية لوقفها، في مسعى إنساني نبيل يهدف إلى تخفيف معاناة المدنيين وضمان وصول المساعدات. غير أن التجربة أثبتت أن هذه الجهود—على أهميتها—لم تحقق اختراقًا حقيقيًا، إذ تعثرت مبادرات عديدة، من إعلان جدة إلى المنامة وجنيف والرباعية، وصولاً إلى مؤتمر برلين.
يكمن جوهر هذا التعثر في تجاهل سؤال محوري لا غنى عنه لأي مقاربة جادة: من الذي أشعل هذه الحرب؟ ولماذا؟ ومن الذي يواصل إطالة أمدها رغم تعدد فرص الحل؟ إن هذا السؤال ليس ترفًا سياسيًا، بل مدخل قانوني وأخلاقي أساسي، لا يمكن القفز فوقه دون تعريض أي عملية سياسية لخطر الفشل أو إعادة إنتاج الأزمة.
لقد أرست قواعد القانون الدولي—سواء في إطار المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة، أو في سياق القانون الدولي الإنساني—مبدأ واضحًا مفاده: لا سلام مستدام دون مساءلة. وتؤكد السوابق الدولية، من البلقان إلى رواندا، أن التسويات التي تتجاهل تحديد المسؤولية عن العنف تظل هشة، سرعان ما تنهار عند أول اختبار، لأنها تقوم على مساواة غير عادلة بين الضحية والجلاد، بدلاً من الاعتراف بالوقائع وتحميل المسؤوليات.
وانطلاقًا من ذلك، فإن أي خطاب موجه إلى المجتمع الدولي، وبخاصة في سياق مؤتمر برلين، ينبغي أن يستند إلى مرتكزات واضحة:
أولاً: تحديد المسؤولية الجنائية والسياسية والأخلاقية
إن تحديد الجهة التي بادرت بإشعال الحرب، ومن أعاق مساعي وقفها، ومن ساهم في توسيع نطاقها، يجب أن يتم بوضوح، استنادًا إلى الوقائع والأدلة، لا إلى حسابات التوازنات السياسية. فالمساءلة ليست خيارًا تكميليًا، بل شرطًا أصيلاً لسلام عادل.
ثانيًا: رفض الحياد الزائف
الحياد الذي يتجاهل الفارق بين من بدأ العدوان ومن سعى لوقفه، أو بين من يدفع نحو السلام ومن يعرقله، ليس حيادًا حقيقيًا، بل انحياز غير معلن يعزز موقف الطرف الأكثر تعنتًا، ويقوّض فرص الحل.
ثالثًا: ربط وقف الحرب بمسار المساءلة
إن الدعوة إلى وقف إطلاق النار يجب أن تكون جزءًا من عملية أشمل، تتضمن التحقيق والمحاسبة وضمان عدم الإفلات من العقاب. فبدون ذلك، يتحول وقف الحرب إلى هدنة مؤقتة، لا تلبث أن تنفجر من جديد.
رابعًا: حماية حقوق الضحايا
لا يمكن لأي مسار سياسي أن يكتسب شرعية قانونية أو أخلاقية دون أن يضع حقوق الضحايا في صدارة أولوياته، بما يشمل التعويض، والإنصاف، ومحاسبة الجناة، والاعتراف بالانتهاكات، وتوفير ضمانات حقيقية لعدم تكرارها.
ختامًا
إن السودان، في هذه اللحظة الفارقة من تاريخه، لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى سلام عادل يقوم على الحقيقة والعدالة. وهذا لن يتحقق إلا إذا امتلكت القوى السياسية والمجتمع الدولي الشجاعة لمواجهة السؤال الأصعب: من المسؤول جنائيًا عن إشعال هذه الحرب؟
فالتاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تنسى. والسلام الذي يتجنب تسمية الأشياء بأسمائها، يظل سلامًا مؤجلاً، يحمل في طياته بذور صراع جديد.
Cry the beloved country




