
تداولت وسائل إعلام دولية، من بينها موقع reseauinternational الفرنسي و”روسيا اليوم”، تقريرًا مثيرًا حول تطورات مفاجئة في النزاع الحدودي المزمن بين السودان ومصر بشأن مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد. ووفقًا للمصدر الفرنسي، خاطب رئيس السلطة الانقلابية، الجنرال عبد الفتاح البرهان، في 11 مايو 2025، مفوضية الحدود القومية طالبًا اعتماد خريطة تُظهر المثلث ضمن الحدود المصرية، في إطار مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية.
تجاوز للشرعية أم خطوة فردية؟
هذه الخطوة، إذا صحت، تمثل تجاوزًا فاضحًا للصلاحيات، إذ لا يملك أي فرد، مهما كان منصبه، الحق في التنازل عن أراضٍ سودانية أو تعديل حدود الدولة دون تفويض شعبي ومؤسسي عبر برلمان منتخب وحكومة شرعية. فالدساتير والمواثيق الدولية، بما في ذلك اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، تنص على أن أي إجراءات من هذا النوع تصدر عن سلطات غير شرعية تُعد باطلة من منظور القانون الدولي.
أبعاد الخطوة
ربط التقرير الفرنسي هذه المراسلة بين البرهان ومفوضية الحدود بمحادثات السودان–السعودية لترسيم الحدود البحرية، مع التأكيد على أن مصالح مصر لن تمس. وهذا يثير تساؤلات عن صفقة إقليمية غير معلنة، قد تضمن دعمًا مصريًا سياسيًا أو عسكريًا للسلطة الانقلابية في بورتسودان، مقابل تثبيت الوضع القائم في حلايب لصالح القاهرة.
الصمت المريب
الأدهى من مضمون الخبر هو الصمت الرسمي في الخرطوم. فلو كان التقرير غير صحيح، لكان من الطبيعي أن يسارع مجلس السيادة أو وزارة الخارجية إلى نفيه أو إصدار بيان حازم، خاصة أن المسألة تمس السيادة الوطنية. لكن هذا الصمت، في ظل حساسية التوقيت، يترك مساحة واسعة للشائعات وللاستنتاج بأن ما نُشر قد يحمل قدرًا من الصحة.
التداعيات المستقبلية
حتى لو كان هذا الخطاب عديم الأثر قانونيًا، فإن خطورته تكمن في قيمته الإثباتية السياسية، إذ قد تستند مصر لاحقًا إلى هذا الموقف كوثيقة أو إقرار في أي تحكيم دولي أو محفل إقليمي، ما قد يعقد أي محاولة سودانية لاستعادة المثلث مستقبلًا.
الخاتمة
إذا كان الخبر صحيحًا، فإن الأمر يتجاوز خطأ فرديًا ليصل إلى مستوى خيانة صريحة للأمانة الوطنية. فالسيادة على أرض السودان ليست ملكية خاصة لمن وصل على ظهر دبابة بلا تفويض شعبي، بل حق لا يمكن التفريط فيه. وصمت السلطة عن توضيح الأمر يفتح الباب أمام معركة سياسية وقانونية قد تمتد لعقود. كما قال عبد الرحمن الكواكبي:
“الخيانة الكبرى أن يخون الحاكم أمته في سبيل عرشه.”




