
نجم الدين دريسة
إنكار الكيماوي بورتسودان وسقوط الشرعية والأهلية الأخلاقية في السودان
إن السقوط الأخلاقي المستمر لا يستر العورة، بل يضاعف البشاعة والجرائم المخزية
تخرج علينا سلطة بورتسودان الفاقدة للشرعية والأهلية الأخلاقية، عبر الخارجية التابعة لها، ببيانات مجوفة ومكرورة تُمارس فيها أقصى درجات المكر والوقاحة ومحاولة التضليل المكشوف للرأي العام الداخلي والدولي. إن محاولة إنكار استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً ضد الشعوب السودانية ليست سوى امتداد لنهج القتل والغدر الدفين الذي درجت عليه هذه الجماعة. إن الحديث عن غياب السند القانوني واستدعاء مظلوميات كاذبة يمثل ذروة السخرية والاستخفاف بعقول المجتمع الدولي، وبآلام الضحايا المعذبين على الأرض.
فالأدلة على ارتكاب هذه الجريمة النكراء البشعة ساطعة كالشمس في رابعة النهار، يعرفها القاصي والداني في كل شبر من أرض الوطن. إنها حقائق قاطعة لا تحتاج إلى عناء للبصم على ثبوتها الميداني والمعملي. هنالك أدلة دامغة وأبحاث معملية دقيقة أكدت بما لا يدع مجالاً للشك حقيقة التسمم الكيميائي وانتشاره الفتاك. إن الميدان نفسه يتحدث اليوم بصوت صارخ يقطع قول كل خطيب؛ إن موت الفئران والتأثيرات البيئية المفاجئة في مناطق الاستهداف لم تعد خافية على أحد.
إن المأساة تتجلى في صورها الأكثر بشاعة من خلال نفوق الأسماك بالآلاف في المجاري المائية والبرك، والإجهاضات المتكررة وغير المسبوقة للنساء الحوامل بطريقة تدمي القلوب، إلى جانب تفشي النزلات المعوية الغريبة وكثير من الأمراض المبهمة وغير المعلومة التي لم يعهدها الطب في السودان من قبل. إن كل هذه الشواهد البيئية والصحية ليست تصادفات عابرة، بل هي الآثار الحية المترتبة على جرائم بيلوجية وكيميائية مكتملة الأركان ارتكبت بحق الأبرياء.
إن هذا السلوك الإجرامي المتردي ليس طارئاً على هذه السلطة المعزولة، بل هو امتداد طبيعي وركيزة أساسية لسجلها المظلم؛ فالسجل الأسود لجماعة المسلمين منذ انقلابهم المشؤوم على السلطة في العام 1989م مليء بالفواجع والجرائم التي يشيب لها الولدان. هذا الجيش الذي اختُطف وتم دمج معتقداته الفاسدة عبر هذه الجماعة الإرهابية، ظل على مدى قرن من الزمان يرتكب الفظائع والانتهاكات النكراء والتطهير بدم بارد، غير متورع عن استخدام كافة أنواع الأسلحة المحرمة دولياً ضد الشعوب السودانية بمختلف أقاليمها.
ولم تكتفِ هذه العصابة بسلاحها الخاص، بل فتحت أجواء البلاد واستعانت بسلاح الجو المصري لضرب المواطنين العزل وإبادة القرى والمناطق المأهولة، وتدمير مقومات الحياة بكل أشكالها. فعلاً، لقد أثبتت هذه الجماعة أنها تفوق سوء الظن العريض، وأن هذه المؤسسة التابعة لها ما هي إلا المليشيا الأسوأ والأشد دموية في العالم أجمع. لقد ارتكبت هذه المليشيا مجازر بشعة وإبادات جماعية وتطهيراً عرقياً لا حد له في حق الشعوب السودانية التائقة للحرية والسلام والكرامة.
والأنكأ والأشد إيلاماً أن هذه السلطة، بدلاً من الاعتراف الشجاع بجرمها والسعي الجاد للتعاون الفني والدولي لمعالجة الآثار الكارثية المترتبة على استخدام هذه الأسلحة الكيميائية السامة والقاتلة والتي يلحق ضررها المستدام بالإنسان والحيوان والنبات وكل مظاهر البيئة والحياة، تتنكر وتستكبر بكل صلف. تصر هذه السلطة على الإنكار المحض مع سبق الإصرار والترصد، وكأن أرواح المواطنين وبيئتهم لا قيمة لها في حسابات بقائها السياسي الضيق.
فلكم أن تتخيلوا حجم الخسة والدناءة والمكر والخيانة العظمى التي تمارسها سلطة بورتسودان الفاقدة للشرعية والأهلية الأخلاقية ضد أوطانها ورعاياها. إن التضحية بحياة الأبرياء وتلويث التربة والمياه والتنكر للكارثة البيئية من أجل مكاسب سلطوية زائفة يمثل الجريمة الأبشع في تاريخ المنطقة. ستظل هذه الدماء الزكية والتشوهات البيئية والصحية وصمة عار تلاحق كل من شارك وخطط ونفذ وستر على هذه المجازر، ولن تفلح بيانات التضليل والانكفاء في طمس الحقائق المعملية والميدانية الموثقة.
إن الإصرار على الإنكار لا يغير من واقع الأمر شيئاً، فالشهادات الميدانية من الأطباء والفرق الصحية المستقلة والمواطنين المكتوين بنار هذه الأسلحة تشكل وثائق تاريخية لا تقبل التكذيب. إن استخدام المواد السامة والمواد الكيميائية ذات التأثير الممتد يعتبر جريمة حرب ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وتضع قيادة سلطة بورتسودان تحت المقصلة الأخلاقية والقانونية الدولية. إن المجتمع الدولي حين يفرض العقوبات ويتجه للتضييق، فإنما ينطلق من تحقيقات واضحة تثبت حجم الجرم وخطورته على حيوية الأرض والإنسان.
يتضح جلياً للجميع أن الخطر الذي تشكله جماعة المسلمين والمليشيا التابعة لها لم يعد محصوراً في المواجهات الميدانية، بل يمتد ليكون تهديداً وجودياً شاملاً لكل أشكال الحياة في السودان. إن ضرب البيئة بتلك المواد القاتلة وتعريض أجيال قادمة للتشوهات والسرطانات والأمراض المستعصية هو سلوك الأراضي المحروقة الذي لا يمارسه إلا من يعتبر الأرض وشعبها عدواً يجب تدميره. إن شعب السودان الذي واجه أعتى أنظمة البطش لن ينطلي عليه بيان الخيبة والهروب إلى الأمام الذي أصدرته خارجية بورتسودان.
إن التاريخ لن يرحم أولئك الذين استرخصوا دماء السودانيين وأرواحهم، واستخدموا في سبيل شهوة السلطة والسيطرة أسلحة الكيماوي والدمار الشامل. ستبقى جرائم بورتسودان حية في ذاكرة الأمة وشاهدة على أبشع خيانة للوطن وللإنسانية. وسيظل الحساب قادماً لا محالة، حيث لا ينفع التضليل ولا تجدي البيان الاستنكارية نفعاً أمام أعدل القضايا وهي قضية شعب يطالب بحقه في الحياة والكرامة والقصاص من قتلته ومسممي أرضه ومياهه.
إن الوقوف بوجه سلطة بورتسودان اليوم ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل هو واجب أخلاقي وإنساني يفرض نفسه على كل حر في هذا العالم. يجب كشف هذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها في كل المحافل الدولية وإيصال صوت الضحايا الذين عانوا من آثار هذا السلاح الفتاك. إن العدالة ستأخذ مجراها مهما تطاول الزمن، وستظل أدلة الميدان وأجساد الأبرياء شاهدة على أن هذه السلطة الفاقدة للشرعية هي أصل البلاء، وأن خلاص السودان لن يتحقق إلا بكنس هذه العصابة وإعادة بناء الوطن على أسس العدالة والحرية والكرامة.




