الكونغرس الأميركي ينتقل من العقوبات المؤقتة إلى استراتيجية تشريعية شاملة لإعادة رسم مسار الحرب السودانية
التنوير: تقرير سكاي نيوز عربية

التنوير: تقرير سكاي نيوز عربية
لم تعد الحرب السودانية تُناقش داخل المؤسسات الأميركية باعتبارها أزمة إنسانية أو نزاعاً إقليمياً فحسب، بل أصبحت تتجه لتكون ملفاً تشريعياً دائماً في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فبعد سنوات من الاعتماد على الأوامر التنفيذية والعقوبات المحدودة، يتحرك الكونغرس نحو بناء إطار قانوني متكامل يمنح الإدارات الأميركية المتعاقبة أدوات أوسع لملاحقة أطراف النزاع، ومحاسبة داعميهم، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، مع إعادة تعريف الدور الأميركي في السودان على المدى الطويل.
ويمثل تقدّم مشروعين متوازيين داخل مجلسي الشيوخ والنواب تحولاً نوعياً في طريقة تعامل واشنطن مع الحرب، إذ يسعى المشرعون إلى تحويل الملف السوداني من استجابة ظرفية إلى سياسة مؤسسية مستدامة، تستند إلى التشريع لا إلى القرارات التنفيذية المؤقتة.
إجماع نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين
يحظى المشروعان بدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهو ما يمنحهما ثقلاً سياسياً كبيراً داخل الكونغرس، ويعكس وجود قناعة مشتركة بأن استمرار الحرب يفرض على الولايات المتحدة تبني أدوات أكثر صرامة وفاعلية.
ويشير هذا التوافق إلى أن الملف السوداني لم يعد موضع خلاف حزبي، بل أصبح جزءاً من أولويات السياسة الخارجية الأميركية المرتبطة بحماية المدنيين، ومكافحة الجرائم الدولية، والحد من التدخلات الخارجية التي تغذي النزاع.
مشروع مجلس الشيوخ يركز على العقوبات وتجفيف التمويل
يحمل مشروع مجلس الشيوخ اسم قانون سلام السودان (PEACE in Sudan)، ويهدف إلى توسيع صلاحيات الإدارة الأميركية في فرض العقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكل الجهات التي يثبت تورطها في تمويل أو تسليح طرفي الحرب.
كما يُلزم الإدارة الأميركية بإعداد تقارير دورية إلى الكونغرس بشأن شبكات التمويل والتسليح والتدخلات الخارجية، مع تحديث التحذيرات المتعلقة بالاستثمار والتعاملات الاقتصادية مع السودان، بما يعزز الرقابة البرلمانية على تطورات الصراع.
ويتضمن المشروع كذلك تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام، بما يعكس توجهاً لجعل الانخراط الأميركي أكثر استقراراً واستمرارية.
مجلس النواب يطرح رؤية أشمل لإنهاء الحرب
في المقابل، يتبنى مجلس النواب مشروعاً أكثر اتساعاً تحت اسم قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني، إذ لا يقتصر على العقوبات، وإنما يضع تصوراً متكاملاً للسياسة الأميركية تجاه السودان.
ويُلزم المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية شاملة تشمل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود وقف إطلاق النار، واستئناف العملية السياسية وصولاً إلى حكم مدني ديمقراطي.
كما يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لتجميد الأصول، وفرض قيود مالية، ومنع منح التأشيرات لكل من يثبت تورطه في جرائم الحرب أو عرقلة المساعدات الإنسانية أو الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
حماية المدنيين تتصدر أولويات التشريع
يمنح مشروع مجلس النواب الولايات المتحدة أساساً قانونياً لدعم أي بعثة أممية أو أفريقية أو متعددة الجنسيات قد تُنشر مستقبلاً لحماية المدنيين إذا توافرت الإرادة الدولية والتفويض القانوني اللازم.
كما يوجه الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها داخل الأمم المتحدة من أجل الدفع نحو خطط عملية لحماية المدنيين، وتوثيق الجرائم، وإزالة العقبات التي تعرقل وصول الإغاثة الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالحرب.
ولا يعني ذلك تبني قرار أميركي بإرسال قوات إلى السودان، وإنما يهيئ الإطار القانوني لدعم أي ترتيبات دولية قد يتم الاتفاق عليها مستقبلاً.
ضغوط مباشرة على داعمي أطراف النزاع
يولي المشروعان اهتماماً خاصاً بالدور الخارجي في إطالة أمد الحرب، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي تقدم السلاح أو التمويل أو الدعم اللوجستي لأطراف النزاع.
ويمضي مشروع مجلس النواب إلى مستوى أكثر تشدداً، بالنص على إمكانية حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأي من طرفي الحرب، مع منح الرئيس الأميركي صلاحية استثناءات محدودة إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.
ويعكس هذا التوجه رغبة واضحة في رفع كلفة التدخلات الخارجية وربطها بعواقب سياسية واقتصادية مباشرة.
المساءلة والعدالة محور أساسي للتشريعات
يفرد مشروع مجلس النواب مساحة واسعة لملف العدالة، إذ يدعو إلى دعم توثيق الانتهاكات، وجمع الأدلة، وحفظها، وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع.
ويمتد نطاق المساءلة ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما تلاه من أحداث، بما يؤسس لمسار قانوني يتجاوز حدود العمليات العسكرية الجارية.
الحل السياسي يتجاوز التفاوض بين العسكريين
لا يكتفي مشروع مجلس النواب بالدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل يطالب الإدارة الأميركية بدعم عملية سياسية أكثر شمولاً تضم المجتمع المدني، والنساء، والشباب، والمجتمعات المهمشة، مع الدفع نحو مسار دستوري واضح يعيد البلاد إلى الحكم المدني.
ويعكس ذلك اتجاهاً أميركياً متزايداً نحو ربط التسوية السياسية بتمثيل أوسع للقوى المدنية، وعدم حصر مستقبل السودان في تفاهمات بين الأطراف العسكرية وحدها.
الطريق التشريعي لا يزال مفتوحاً
ورغم التقدم الذي أحرزه المشروعان داخل اللجان المختصة، فإنهما لم يتحولا بعد إلى قانون نافذ، إذ لا يزال كل مشروع بحاجة إلى موافقة المجلس الذي ينتمي إليه، قبل التوصل إلى صيغة موحدة يعتمدها مجلسا الشيوخ والنواب، ثم تُرفع إلى الرئيس الأميركي للتوقيع عليها.
ولهذا فإن تأثير المشروعين ما زال مرتبطاً باستكمال المراحل التشريعية المتبقية، غير أن مجرد تقدمهما يعكس اتجاهاً سياسياً واضحاً داخل الكونغرس.
تحول استراتيجي في السياسة الأميركية تجاه السودان
إذا أُقرت هذه التشريعات بصيغة نهائية، فإنها ستؤسس لأول إطار قانوني أميركي متكامل للتعامل مع الحرب السودانية، جامعاً بين العقوبات، والضغط على داعمي أطراف النزاع، وحماية المدنيين، ودعم العدالة، وتعزيز المسار السياسي.
كما ستنقل السياسة الأميركية من مرحلة ردود الفعل إلى مرحلة الإدارة المؤسسية طويلة الأمد للأزمة، بما يجعل ملف السودان جزءاً ثابتاً من أجندة الكونغرس والإدارات الأميركية المقبلة، ويمنح واشنطن أدوات أكثر اتساعاً للتأثير في مسار الحرب ومستقبل العملية السياسية.




