رأي

اجتماع بورتسودان… حين تلتقي العمالة بالإرهاب

عمار نجم الدين

 

عمار نجم الدين

ما كشفتْ عنهُ “سكاي نيوز عربية” من تفاصيلِ ذلكَ الاجتماعِ الرمضانيِّ الذي نسَّقَهُ “جبريل إبراهيم”،

لم يكن المشهد في بورتسودان إفطارًا رمضانيًا يُرجى ثوابه، بل كان سفرًا سياسيًا مكتوبًا فوق مائدة الحضور، يُفصح عن سوأة بنية سلطوية أدمنت الارتكاس، وأعادت إنتاج ذاتها عبر محالفات مريبة بين الجنرالات وطائفة الإخوان المسلمين، وارتهان مهين لمن وراء الحدود.

كأن بورتسودان لم تعد تقف على أرضها، بل صارت معلقة بين محاور لا تشبهها، تتقلب بين أحضان طهران حينًا، وتلوذ بأحضان القاهرة حينًا آخر، لا على سبيل التوازن الحكيم، بل على جهة الارتهان المتردد الذي لا يملك قراره.

إن هذا المحفل، الذي نظمه وزير المالية جبريل إبراهيم — وهو الواقف تحت مقصلة العقوبات الأمريكية (2025) — لم يكن إلا استعراضًا للقوة الواهية؛ حيث اجتمعت قيادات مجلس السيادة، كـ شمس الدين الكباشي، مع أذيال الحركات المسلحة، كـ الصادق علي النور، في حضرة القائم بالأعمال الإيراني

هذا الحضور لا يمكن قراءته كتفصيلة بروتوكولية، بل كمجاهرة بالتبعية لمحور إقليمي مثير للجدل، في لحظة تتصاعد فيها التوترات في الخليج وتضيق فيها هوامش الحركة الدولية.

وفي هذا الارتهان المزدوج، حيث تتقاطع العمالة بين طهران والقاهرة، لا يضيع الاتجاه فحسب، بل يضيع المعنى ذاته؛ إذ لا تعود السيادة خيارًا، بل ذكرى، ولا يعود القرار قرارًا، بل صدى يتردد بين عواصم أخرى.

وهكذا، تتحول بورتسودان من مركز يُفترض أن يُدير — وإن اختلفنا معه — إلى ساحة تُدار، ومن دولة تُقرر إلى موضع يُملى عليه، حتى إذا اكتمل المشهد لم يبقَ من الاستقلال إلا اسمه، ولا من الإرادة إلا ظلها؛ دولة تُدار بعلاقات ارتهان عميقة لمحورين متعارضين، تُقايض قرارها بين القاهرة وطهران، وتفقد بذلك شرط السيادة قبل أن تفقد صورتها.

وهنا تتجلى حقيقة الحرب في رأي تولستوي؛ فهي ظاهرة غير عقلانية، تتسم حوافزها بالانتهازية المطلقة؛ فالإخوان المسلمون يوقدون الحروب لأسباب مزعومة كالدفاع عن المصالح الوطنية، بينما هي في حقيقتها مأدبة للئام لضمان بقائهم في السلطة، ولو عبر إبرام الصفقات مع الشيطان.

لقد مسخت هذه الجماعة — التي صُنفت عالميًا كمنظمة إرهابية بذراعها المسلح البراء بن مالك في 2026 — إلى جلباب مهترئ يستر عورة نرجسيتها الإسلاموية، فآثرت حرق الأرض بمن فيها على التخلي عن امتيازات سلطوية شيدتها فوق جماجم السودانيين.

إن العاقل من يدرك أن المسالك لرفعة العمران وتشييد البنيان تتعدد، وتغيب الضرورة لمحق الإنسان أو نهب الأوطان، لكن عقيدة الإخوان قائمة على القهر كمنهج، وعلى تبديد الدولة كمسلك.

وما التقارير الأمريكية التي كشفت عن شبكاتهم المالية، كـ شركة عزة للنقل وبنك أم درمان الوطني، وارتباطاتها بإيران، إلا دليل دامغ على أن هذه الجماعة ترى السودان غنيمة، وتتخذ من اللاهوت الديني غطاء لشبكات الجريمة المنظمة.

ما جرى في بورتسودان ليس سقطة عابرة، بل تعبير دقيق عن عقل إخواني لا يرى في المرآة إلا وجهه الإقصائي، يعتقد واهماً أن اللعب في المناطق الرمادية والمناورة بين المحاور يُنجيه، بينما العالم قد حزم أمره في تصنيفهم كجماعة منبوذة.

هي نتيجة حتمية لبنية لم تتغير منذ التسعينيات، وعقل لم يراجع نفسه، حتى استوى عندهم السقوط والنهوض.

وهكذا، بفضل ذلك الارتباط العضوي بين العسكر والإخوان، لا يتحرك السودان إلى الأمام، بل يمعن في الغوص داخل وحل العزلة والدمار، مغروسًا في طين أزمته حتى الأعماق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!