تقارير وتحقيقات

تقرير حقوقي دولي يكشف انحيازاً إجرائياً في ملف السودان ويطالب بتحقيق مستقل في استخدام الأسلحة الكيميائية

التنوير تقرير الائتلاف الدولي لمنظمات حقوق الإنسان (ICHR) ومنظمة أومنيوم للحريات 

 

التنوير تقرير الائتلاف الدولي لمنظمات حقوق الإنسان (ICHR)

ومنظمة أومنيوم للحريات 

كشف تقرير حقوقي مشترك أُعدّ تمهيداً للدورة الرابعة والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل التابع للأمم المتحدة عن اختلالات واسعة في طريقة التعامل الدولي مع انتهاكات حقوق الإنسان في السودان، محذراً من أن الانتقائية الجغرافية، وتسييس التوصيات، والانحياز الإجرائي لمصلحة التحفظات الدبلوماسية، تهدد بتحويل آلية الاستعراض من وسيلة للمساءلة وحماية المدنيين إلى إجراء شكلي قد يوفر غطاءً لاستمرار الإفلات من العقاب.

وجاء التقرير في مذكرة مشتركة أعدها الائتلاف الدولي لمنظمات حقوق الإنسان (ICHR) ومنظمة أومنيوم للحريات (ODL)، استعداداً لانعقاد الدورة الرابعة والخمسين للفريق العامل في يناير 2027، حيث يُنتظر أن يقدم السودان تقريره الوطني الرابع في ظل حرب مستمرة منذ أبريل 2023، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد أكثر من عشرة ملايين شخص، واندلاع ما وصفه التقرير بأكبر أزمة إنسانية في العالم.

وقال التقرير إن الاستعراض المقبل يضع منظومة حقوق الإنسان الدولية أمام سؤال جوهري يتعلق بقدرتها على تحقيق المساءلة عندما تكون مؤسسات الدولة نفسها متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، مشيراً إلى أن آلية الاستعراض الدوري الشامل، التي أُنشئت لتقييم سجل جميع الدول الأعضاء على أساس التعاون والمساواة، مهددة في الحالة السودانية بأن تصبح أداة لتسجيل التعهدات دون قياس تنفيذها أو محاسبة المسؤولين عن نقضها.

فجوة واسعة بين التعهدات والتنفيذ

ووثقت المذكرة ما وصفته بفجوة شبه كاملة في تنفيذ التوصيات التي قبلها السودان خلال الاستعراض الدوري الثالث في فبراير 2022، إلى جانب تراجع متعمد عن التعاون مع الآليات الدولية، وفرض قيود منهجية على الوصول إلى مناطق الانتهاكات، ما حال دون إجراء توثيق شامل ومستقل للوقائع.

وكان السودان قد تلقى خلال الاستعراض الثالث 283 توصية، قبل منها 244 توصية، واكتفى بـ«الإحاطة علماً» بـ39 توصية، بنسبة قبول تجاوزت 86 في المئة. إلا أن التقرير رأى أن هذه النسبة المرتفعة لم تنعكس على الواقع، لأن كثيراً من التوصيات المقبولة انحصرت في قضايا تقنية محدودة الكلفة السياسية، بينما جرى إضعاف أو تجاوز المطالب الجوهرية المتعلقة بالمحاسبة عن أحداث الخرطوم في عام 2019، وحماية الأقليات الدينية، وإصلاح القطاع الأمني.

واعتبر التقرير أن هذا النمط يعكس انحيازاً إجرائياً يسمح للدول بانتقاء التوصيات التي لا تفرض عليها تغييرات مؤسسية حقيقية، مقابل الاكتفاء بتسجيل أو تجاهل التوصيات التي تمس بنية السلطة ومراكز القرار والأجهزة الأمنية.

الحركة الإسلامية داخل الجيش في قلب الأزمة

وحدد التقرير أن «السبب الجذري والمحرك الرئيسي» للأزمة السودانية، مؤكداً أن الحرب لا ينبغي اختزالها في مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل يجب النظر إليها في سياق ما سماه الاستحواذ الأيديولوجي للحركة الإسلامية على القوات المسلحة السودانية، من خلال تشكيلات مسلحة من بينها كتيبة البراء بن مالك.

واتهمت المذكرة هذه التشكيلات بالعمل على إطالة أمد الحرب، ورفض المبادرات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار عبر فرض شروط يصعب تنفيذها، كما ربطت بينها وبين الشبكات التي عرقلت الانتقال السياسي خلال الفترة من 2019 إلى 2021.

وخلص التقرير إلى أن التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار سيظل أمراً بالغ الصعوبة ما دامت هذه التشكيلات تحتفظ بقدرتها على تعطيل القرارات العسكرية وفرض إرادتها على مسار الحرب والتفاوض.

انتقائية جغرافية تخلق مناطق للإفلات من العقاب

وانتقد التقرير بشدة ما وصفه بالانتقائية الجغرافية في توثيق وإدانة الانتهاكات، معتبراً أن حصر الاهتمام الدولي في مدينة الأبيض أو مناطق بعينها يمثل إخلالاً بمبدأ الحياد، ويتعارض مع طبيعة الاستعراض الدوري الشامل الذي يفترض تقييم أوضاع حقوق الإنسان في كامل أراضي الدولة.

وأوضح أن مشروعات القرارات والمداولات الدولية أغفلت انتهاكات وقعت في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مشيراً إلى الأحداث الدامية التي شهدتها كلبس بغرب دارفور في 29 يونيو 2026، والتي أودت، وفق التقرير، بحياة عدد من المدنيين بينهم أطفال.

كما لفت إلى استمرار حصار مدينة الفاشر والهجمات على مخيمات النازحين في شمال دارفور، مؤكداً أن إبقاء هذه الوقائع خارج دائرة الاهتمام الدولي يوزع الحماية بصورة غير متكافئة، ويخلق عملياً مناطق يتمتع فيها مرتكبو الانتهاكات بحصانة غير معلنة.

تحذير من منح سلطة بورتسودان شرعية دولية

وأثار التقرير قضية التمثيل الدبلوماسي للسودان داخل مؤسسات الأمم المتحدة، معتبراً أن منح السلطات العسكرية القائمة في بورتسودان وصولاً حصرياً إلى المنابر الدولية يمثل إشكالاً إجرائياً وسياسياً خطيراً، خاصة في ظل استمرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي منذ انقلاب أكتوبر 2021.

ورأت المذكرة أن التعامل مع هذه السلطات باعتبارها الممثل الوحيد للسودان قد يمنحها شرعية دبلوماسية، ويعزز تعنتها، ويقوض جهود السلام، داعية الفريق العامل إلى التدقيق في مدى تمثيل أي وفد سوداني يشارك في الاستعراض، حتى لا تُستخدم الآلية الأممية لإضفاء اعتراف سياسي على سلطات لا يعترف بها الاتحاد الأفريقي.

وطالب التقرير بأن ينسجم موقف مجلس حقوق الإنسان مع قرارات الاتحاد الأفريقي، وألا يمنح الاعتراف للسلطات العسكرية التي تشكلت بعد الانقلاب.

مطالبة بتحقيق عاجل في استخدام أسلحة كيميائية

وأعربت المذكرة عن قلق بالغ إزاء إغفال مزاعم استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة كيميائية محظورة من جدول أولويات مجلس حقوق الإنسان، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل وعاجل في هذه الاتهامات.

كما وثقت ما وصفته بعمليات قصف جوي عشوائي استهدفت المدنيين، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك قوافل برنامج الأغذية العالمي، إلى جانب مشاركة جماعات مسلحة أجنبية في القتال، من بينها عناصر من تحالف سيليكا القادم من جمهورية أفريقيا الوسطى.

وأكد التقرير أن تجاهل هذه القضايا لا يقتصر أثره على الجانب الإجرائي، بل تترتب عليه نتائج مباشرة، من بينها تفاقم أوضاع المجاعة في مخيمات النازحين، وارتفاع أعداد الضحايا غير المباشرين بسبب تدمير البنية التحتية، وإضعاف المعايير الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة المحرمة.

تسع توصيات للمجتمع الدولي

وقدم التقرير تسع توصيات وصفها بأنها محددة وقابلة للتنفيذ ومبنية على التزامات السودان السابقة، وفي مقدمتها ضمان وصول مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والخبير المستقل، وبعثة تقصي الحقائق، وأصحاب الولايات في إطار الإجراءات الخاصة، إلى جميع مناطق السودان دون قيود.

وطالب بإجراء تحقيقات مستقلة في جميع الانتهاكات المرتكبة منذ أبريل 2023، بما في ذلك مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، ووقف الهجمات العشوائية على المدنيين، وضمان المرور الآمن وغير المعوق للمساعدات الإنسانية، والانخراط غير المشروط في مبادرات وقف إطلاق النار.

كما دعا إلى إنشاء آلية وطنية فاعلة لمتابعة تنفيذ التوصيات بمشاركة حقيقية من المجتمع المدني، واستعادة حكم مدني بقيادة مدنية استناداً إلى الوثيقة الدستورية لعام 2019، والتعاون الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية.

وشددت المذكرة على ضرورة أن تكون أي قرارات يصدرها مجلس حقوق الإنسان بشأن السودان شاملة لجميع المناطق، وألا تخضع للانتقائية الجغرافية أو السياسية أو المؤسسية.

اختبار حاسم لمصداقية الاستعراض الدوري الشامل

وخلص التقرير إلى أن سجل السودان بعد أربعة أعوام من الاستعراض الثالث يكشف عن إخفاق شبه كامل في تنفيذ التوصيات المقبولة، وتراجع في التعاون مع الآليات الدولية، وفرض قيود متعمدة حالت دون الوصول إلى كثير من مواقع الانتهاكات وتوثيقها.

وأكد أن التعامل الانتقائي مع الأزمة السودانية، جغرافياً ومؤسسياً وإجرائياً، لا يؤدي فقط إلى مضاعفة معاناة الضحايا، بل يتعارض مع مبادئ العالمية والحياد والمساواة في المعاملة التي يقوم عليها نظام الاستعراض الدوري الشامل.

واعتبرت المذكرة أن الاستعراض الرابع للسودان يمثل اختباراً فاصلاً لمصداقية هذه الآلية؛ فإما أن تظل إجراءً رسمياً تُسجل خلاله الالتزامات ثم تُنسى، أو أن تتحول إلى أداة حقيقية لتحديد وقياس ومعالجة الفجوة بين التعهدات التي قدمها السودان في فبراير 2022 والواقع القائم في يوليو 2026.

ودعا الائتلاف الدول المشاركة في الدورة المقبلة إلى اغتنام الفرصة لدفع عملية المساءلة، وضمان حماية المدنيين، ورفض تحويل الاستعراض الدوري الشامل إلى منصة تمنح الشرعية للسلطات العسكرية أو تتجاهل الانتهاكات الواقعة خارج دوائر الاهتمام السياسي والإعلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!