رأي

يوم عهد الاتحاد… حين تتحول القيم إلى انجازات

د. إخلاص قرنق

 

د. إخلاص قرنق

ليست كل الدول قادرة على تحويل لحظة تاريخية إلى مشروع متجدد للحياة، لكن دولة الإمارات العربية المتحدة فعلتها. فمنذ توقيع بيان الاتحاد ودستور الدولة في الثامن عشر من يوليو عام 1971، لم يكن الاتحاد مجرد إعلان سياسي، بل كان عهداً أخلاقياً ووطنياً بين قيادة آمنت بالمستقبل وشعب اختار أن يجعل من الوحدة طريقاً للتنمية، ومن الإنسان محوراً لكل السياسات.

ويأتي “يوم عهد الاتحاد” كل عام ليعيد قراءة تلك اللحظة المؤسسة، ويؤكد أن العهد الذي قطعه الآباء المؤسسون، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام، لم يبق حبيس الوثائق، بل تحول إلى ثقافة دولة، وإلى منظومة عمل جعلت الإمارات واحدة من أكثر دول العالم استقراراً وأمناً وقدرة على استشراف المستقبل.

وتحمل كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بهذه المناسبة، رسالة تتجاوز استحضار الماضي، لتؤكد أن الاتحاد مسؤولية متجددة، وأن الحفاظ على منجزاته لا يكون بالشعارات، وإنما بمواصلة البناء وترسيخ قيم الوحدة والانتماء والولاء للوطن.

ولعل المتأمل في مسيرة الإمارات يدرك أن الأمن لم يكن هدفاً مستقلاً، بل كان قاعدة انطلقت منها التنمية، وأن التنمية بدورها أصبحت الضمانة الحقيقية لاستدامة الأمن والاستقرار. لذلك لم تنظر الدولة إلى أجهزتها الشرطية باعتبارها مؤسسات لإنفاذ القانون فحسب، بل باعتبارها مؤسسات لبناء الثقة وتعزيز جودة الحياة وصون كرامة الإنسان.

وفي هذا السياق، يأتي قرار ترقية أكثر من ستة آلاف من الضباط وضباط الصف والأفراد في الأجهزة الشرطية ليعكس نهج القيادة في تقدير الكفاءة والإخلاص، وترسيخ ثقافة العطاء والانتماء. فتكريم رجال الأمن هو تكريم لقيمة الوفاء، ورسالة تؤكد أن من يحرسون الوطن ويحافظون على أمن المجتمع هم شركاء في صناعة مستقبله.

ولم يتوقف التطوير عند العنصر البشري، بل امتد إلى فلسفة العمل الأمني نفسها. فالإمارات لم تكتفِ بتحديث مراكز الشرطة، وإنما أعادت تعريف العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع، لتتحول إلى “مراكز سعادة المتعاملين”، في تعبير يعكس رؤية حضارية ترى أن العدالة تبدأ باحترام الإنسان، وأن الخدمة الراقية جزء من الأمن، وأن الابتسامة وحسن الاستقبال لا يقلان أهمية عن تطبيق القانون.

هذه الرؤية هي التي جعلت الإمارات تتصدر المؤشرات العالمية في الأمن وجودة الخدمات الحكومية والثقة بالمؤسسات، وأن تقدم نموذجاً تتطلع إليه دول كثيرة في كيفية الجمع بين هيبة القانون وإنسانية الخدمة، وبين قوة الدولة وسعادة المجتمع.

إن “يوم عهد الاتحاد” ليس مناسبة لاستذكار الماضي فقط، بل فرصة للتأمل في تجربة أثبتت أن الأوطان العظيمة تُبنى بالرؤية، وتحفظ بالمؤسسات، وتزدهر عندما يكون الإنسان هو الثروة الحقيقية. وهذا هو الدرس الذي قدمته الإمارات للعالم؛ أن الاتحاد ليس حدثاً وقع في التاريخ، بل عهد يتجدد مع كل إنجاز، ومع كل قرار يعزز الأمن، وكل مشروع يخدم الإنسان، وكل مبادرة ترسخ قيم التسامح والعدالة والولاء.

ولهذا، فإن الاحتفاء بهذا اليوم هو احتفاء بفكرة نجحت، وبقيادة أوفت بعهدها، وبوطن استطاع أن يحول الحلم إلى واقع، وأن يجعل من الاتحاد قصة نجاح مستمرة، ومن التنمية أسلوب حياة، ومن الإنسان أغلى استثمار، ليبقى علم الإمارات رمزاً لوطن آمن، ودولة رائدة، ومستقبل يُبنى بثقة لا تعرف المستحيل.

وفي “يوم عهد الاتحاد”، لا تحتفي الإمارات بماضٍ مجيد فحسب، بل تؤكد أن العهد مستمر، وأن الاتحاد مشروع يتجدد مع كل إنجاز، وكل مدرسة تُبنى، وكل مستشفى يُفتتح، وكل طريق يُنجز، وكل رجل أمن يسهر على حماية المجتمع، وكل خدمة تُقدَّم بكرامة واحترام للإنسان.

إن سر قوة الإمارات يكمن في أنها حافظت على المبادئ التي قامت عليها منذ اليوم الأول: وحدة لا تتزعزع، وقيادة تستثمر في الإنسان، ومؤسسات تعمل بروح الفريق، ورؤية لا تعرف التوقف عند حدود الإنجاز.

وهكذا يبقى “يوم عهد الاتحاد” مناسبة وطنية تؤكد أن الاتحاد ليس ذكرى تُروى، وإنما عهد يتجدد، ومسؤولية يحملها الجميع، ومسيرة تتواصل بثقة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً، ليظل علم الإمارات خفاقاً، ويظل الوطن نموذجاً عالمياً في الأمن والاستقرار والتنمية والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!