
خضر كوة
كشف تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، بما تضمنه من إشارات إلى شبكات نقل السلاح وتحركات المقاتلين عبر ممرات إقليمية، حقيقة لم يعد من الممكن تجاهلها، وهي أن الحرب في السودان لم تعد تُحسم بالبندقية وحدها، بل أصبحت تُدار بدرجة كبيرة داخل أروقة الأمم المتحدة، وعلى طاولات النفوذ الدولي، وفي فضاءات الإعلام، ومنابر القانون الدولي. غير أن ما يثير القلق ليس فقط ما ينجح الخصوم في إنجازه على هذه الساحات، وإنما أيضاً ما تعجز «تأسيس» عن القيام به. ففي الوقت الذي تعمل فيه القوى المناوئة على بناء شبكات ضغط عابرة للحدود، وتوظيف الأدوات القانونية والإعلامية والدبلوماسية لترسيخ روايتها، تبدو «تأسيس» غائبة عن ميدان لا يقل حسماً عن ساحات القتال، وهو ميدان صناعة الشرعية وإدارة العلاقات الدولية.
إن التعامل مع الأمم المتحدة والمنظومة الدولية باعتبارها مؤسسات ستنتصر تلقائياً للحق أو تستجيب لمنطق العدالة وحده، يمثل قراءة سياسية قاصرة لطبيعة النظام الدولي. فهذه المؤسسات تتحرك في إطار توازنات المصالح، ويُصنع تأثيرها عبر الحضور المستمر، وبناء التحالفات، وإعداد الملفات، وإدارة التواصل، وممارسة الضغط السياسي والقانوني بصورة احترافية. ومن يملأ هذا الفراغ يمتلك القدرة على فرض روايته وتوجيه مسار النقاش الدولي. وما تحقق اليوم من حضور متزايد للأطراف المرتبطة بخصوم «تأسيس» داخل المنظومة الدولية لم يكن وليد الصدفة، وإنما نتيجة عمل تراكمي ومنظم امتد لسنوات، بينما أدى الغياب أو الاكتفاء بردود الأفعال إلى منح تلك الأطراف فرصة أوسع لتشكيل السردية الدولية للصراع، وهو ما انعكس في تقارير دولية وضغوط سياسية ومكاسب دبلوماسية لا تتناسب بالضرورة مع الواقع الميداني.
كما أن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لم يعد كافياً لتحقيق الأهداف السياسية في النزاعات المعاصرة، بل قد يتحول إلى عبء إذا لم يواكبه غطاء سياسي ودبلوماسي قادر على ترجمة ما يتحقق في الميدان إلى مكاسب على مستوى الشرعية والاعتراف الدولي. فالانتصارات التي لا تجد من يدافع عنها سياسياً تتآكل مع مرور الوقت، وغياب الصوت الدبلوماسي المنظم يفتح المجال أمام الخصوم لتحويل رواياتهم إلى مواقف رسمية، بينما يظل الخطاب العاطفي عاجزاً عن التأثير في مؤسسات لا تتعامل إلا مع الوثائق، والملفات، وشبكات النفوذ، ولغة المصالح.
ومن الأخطاء التكتيكية الاعتقاد بأن الطريق إلى التأثير الدولي يبدأ من نيويورك أو مجلس الأمن. فالدبلوماسية الفاعلة تنطلق أولاً من البيئة الإقليمية، لأن دول الجوار هي الأكثر تأثيراً في تشكيل مواقف الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد، كما أنها تمثل لاحقاً قاعدة الدعم أو المعارضة داخل المنصات الدولية. لذلك فإن كسب هذه الدول، أو على الأقل تحييد مواقفها، ليس خياراً ثانوياً، بل يمثل شرطاً أساسياً لأي تحرك دولي ناجح، إذ يمنح أي مشروع سياسي شرعية أولية ويحول تحركاته الخارجية من جهود منفردة إلى مواقف تستند إلى دعم إقليمي أوسع.
إن مواجهة هذا الواقع لا تكون عبر بيانات غاضبة أو ردود أفعال متفرقة، وإنما بإعادة صياغة منهج إدارة الصراع بصورة شاملة. ويقتضي ذلك بناء جهاز دبلوماسي محترف يعمل بصورة مستمرة داخل دوائر التأثير، والانتقال من الخطاب التعبوي إلى خطاب يستند إلى الأدلة والوثائق والملفات القانونية، مع إطلاق تحرك منظم يبدأ من العواصم المجاورة ثم يمتد إلى الإقليم وصولاً إلى المنظومة الدولية، إلى جانب توحيد المسارين العسكري والسياسي ضمن رؤية استراتيجية واحدة، بحيث يصبح كل تقدم ميداني جزءاً من مشروع سياسي متكامل.
لقد أثبتت التجارب أن العالم لا يعترف بمن ينتصر في الميدان فحسب، وإنما بمن يمتلك القدرة على تحويل انتصاره إلى نفوذ سياسي وشرعية دولية. فبينما تُحسم المعارك بالسلاح على الأرض، تُحسم نتائجها النهائية في غرف التفاوض، والمؤسسات الدولية، ومنصات صناعة القرار. ومن دون دبلوماسية تبدأ من الجوار، وتمتد بفاعلية نحو الإقليم والعالم، فإن «تأسيس» قد تحقق مكاسب تكتيكية في الميدان، لكنها ستظل تواجه تحدياً حقيقياً في تحويل تلك المكاسب إلى إنجازات استراتيجية مستدامة. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن تربح المعركة، لكن تعجز عن كسب نتائجها السياسية.




