
سمية النور دهب… دبلن
«لا يكتمل السلام إلا حين يقرر الشعب مصيره، وليس حين يفرض الجار شروطه.»
لطالما كان السودان محط أنظار الجوار، لكنه لم يكن يومًا مجرد بلد، بل تجربة سياسية تتأرجح بين الاستقلال الوهمي والوصاية الخفية. فالموقع الجغرافي لم يحمه، والحدود لم تصنه، والجوار، الذي يفترض أن يكون شريكًا طبيعيًا، تحوّل إلى عامل ضغط مستمر يثقل كاهل السيادة.
مصر، بجوارها القريب، لم تتعامل مع السودان كدولة كاملة السيادة، بل كمجال استراتيجي يمكن ضبطه، وفرض النفوذ فيه، وإعادة إنتاج مصالحها على حساب إرادة الشعب السوداني. كل تجربة انتقالية، وكل ثورة سلمية، كانت تُقابل بالريبة والانشغال بخطر “التغيير المدني”، وكأن نجاح السودان هو تهديد مباشر للمنطق الإقليمي القائم.
ثورة ديسمبر 2018 كانت لحظة فارقة، إذ أظهرت قدرة الشعب على رفض القهر، وعلى منح الشرعية للشارع لا للبندقية. هذا الوعي الشعبي أزعج من يعتمد على السيطرة والوصاية، فسرعان ما بدأ تدخل ممنهج سياسيًا وإعلاميًا، ودعم مباشر وغير مباشر لعناصر تحافظ على الوضع القائم. كانت الزيارات، والاتصالات، والخطاب الإعلامي جزءًا من عملية تحجيم الثورة، وإعادة فرض منطق القوة على حساب الإرادة المدنية.
الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تكن صدفة، بل نتيجة تراكم طويل من الانحياز للجيش، وقمع التحولات الديمقراطية، وإشعال الانقسامات الاجتماعية. إن الدور الخارجي لم يقتصر على الدعم العسكري فقط، بل امتد إلى صناعة خطاب يعيد إنتاج الانقسام، ويحول السودان إلى فسيفساء متصارعة يسهل التحكم فيها، بدل أن يكون دولة مواطنة جامعة.
السودان اليوم يدرك أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار الحقيقي دون احترام إرادة شعبه، ودون بناء علاقة ندّية مع جيرانه. التجربة التاريخية أكدت أن التدخل تحت ذريعة المصالح أو الأمن الإقليمي لا يولّد إلا مزيدًا من الفوضى، وأن أي تحالف مع قوى الردة أو الفلول لن يؤدي إلا إلى تأجيل الحلول المستدامة.
الدرس واضح: السيادة ليست كلمة على الورق، ولا مشروعًا يتم تجاوزه متى شاء الجار، بل ممارسة مستمرة، ومقاومة مستمرة لكل من يحاول فرض وصاية باسم المصلحة أو الأمن. السودان يرفض الوصاية، ويؤكد أن دوره، مهما كانت الضغوط، هو تقرير مصيره، وبناء مؤسساته وفق إرادة شعبه لا وفق مصالح الآخرين




