رصد: ندوة حول استهداف الإدارات الأهلية والقيادات المدنية المناهضة للحرب 2-2
ناظر الرفاعة اللواء مالك أبو روف: الإنقاذ سيّست الإدارة الأهلية عبر أمانة النظام الأهلي

فتحية البشاري: قيادات الإدارات الأهلية تحمّلت مسؤولية حماية المدنيين حين غابت الدولة
محمد خالد بحيري: أطالب بإلغاء أحكام الإعدام والسجن بحق والدي وكل المدنيين وقيادات الإدارات الأهلية
بسملة: حينما نتحدث عن السلام، هم يتحدثون عن (بل بس)
واشنطن: فاطمة غزالي
نظم مركز واشنطن الثقافي، أمس الأول، ندوة بعنوان: «استهداف الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية والمدنية المناهضة للحرب»، تضامنًا مع قيادات الإدارات الأهلية والمجتمعية التي وُجّهت إليها اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وصدرت بحق بعضهم أحكام بالإعدام أو السجن المؤبد أو لسنوات طويلة.
وتناولت الندوة تداعيات قانون «التعاون مع الدعم السريع» وانعكاساته على الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية والمدنية المناهضة للحرب، إلى جانب مناقشة ملف «الوجوه الغريبة» وما يثيره من قضايا وتساؤلات في المشهد السوداني الراهن.
وتحدث في الندوة الخبير الاستراتيجي منتصر هباني عن أهمية العقد الاجتماعي، فيما تناول الخبير في الإدارة الأهلية مأمون الملك دور الإدارة الأهلية في حماية المجتمع وتاريخها في السودان. وركز القانوني خالد محي الدين على العدالة في ظل «شرعية البندقية»، بينما تناول لواء الشرطة بالمعاش مالك أبو روف تاريخ الإدارة الأهلية والانتهاكات التي وقعت عقب دخول أبو عاقلة كيكل إلى ولاية الجزيرة.
كما تحدثت الناشطة الحقوقية الشابة بسملة محمد مركز عن دور الشباب والمنظمات الدولية في صناعة السلام، فيما تناولت الحقوقية فتحية البشاري، مؤسسة منظمة نساء السودان من أجل السلام، دور النساء في تحقيق السلام وبناء المجتمع والدولة.
وتحدث الشاب محمد خالد بحيري عن قضية والده خالد بحيري، الذي صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة.
أحكام قاسية وقصص إنسانية
وعُرضت خلال الندوة قصص إنسانية لقيادات من الإدارة الأهلية ومدنيين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام أو السجن المؤبد أو لسنوات طويلة، من بينهم الناظر مأمون هباني، ناظر الحسانية والحسنات وقبائل شمال النيل الابيض ، الذي صدر بحقه حكم بالإعدام؛ وعمر الطيب هارون، وكيل ناظر عموم قبيلة الجوامعة بمدينة الرهد، الذي حُكم عليه بالسجن 15 عامًا؛ والإعلامي خالد بحيري، الذي حُكم عليه بالسجن 20 عامًا في مدينة ود مدني؛ والدكتور أحمد الوقيع، الذي حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان؛ وحليمة شيخو، التي حُكم عليها بالسجن 20 عامًا في الرهد؛ والوليد غانم حسن عدلان، الذي حُكم عليه بالسجن؛ وأبو عبيدة محمد سليمان، الذي حُكم عليه بالسجن 15 عامًا.
وأشار المتحدثون إلى قائمة طويلة من قيادات الإدارات الأهلية التي وُجّهت إليها اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وقالوا إن بعض هذه القيادات قُتل، من بينهم العمدة أبو البشر محمد آدم من منطقة أم رماش.
كيكل كان سببًا في الاختراقات
تناول اللواء مالك أبو روف، ناظر قبيلة الرفاعة، تاريخ الإدارة الأهلية، وقال إنها نظام قديم أسهم في تحقيق السلام الاجتماعي وإدارة المجتمعات وفض النزاعات، مشددًا على أهميتها في حفظ الأمن ومساهمتها في النشاط الاقتصادي.
وقال أبو روف إن نظام الإنقاذ سيّس الإدارة الأهلية وسعى إلى إضعافها من خلال إنشاء أمانة النظام الأهلي للسيطرة عليها وضمان الولاء، كما أنشأ، بحسب قوله، أمانة للذكر والذاكرين لمحاربة الطرق الصوفية. وانتقد أبو روف بشدة الاتهامات الموجهة إلى قيادات الإدارات الأهلية والمجتمعية والمدنيين بدعوى التعاون مع قوات الدعم السريع، وقال إن قيادات الإدارة الأهلية تحمّلت مسؤولية مجتمعاتها خلال الحرب. وعبّر عن غضبه إزاء مقتل العمدة أبو البشر محمد آدم في منطقة أم رماش، واستهداف المك الوليد غانم حسن عدلان، وصدور حكم بالإعدام بحق ابن العميد محمد أحمد كبوش. ورداً على سؤال بشأن الانتهاكات التي حدثت في ولاية الجزيرة عقب دخول قوات الدعم السريع، حمّل أبو روف اللواء أبو عاقلة كيكل مسؤولية تلك الانتهاكات، وقال إن كيكل كان سببًا في الاختراقات التي حدثت، والتي أدت، بحسب قوله، إلى وقوع انتهاكات ضد أهالي الجزيرة وخلقت حالة من الغبن الاجتماعي.
النساء يدفعن الفاتورة الأكبر
أكدت فتحية البشاري ضرورة حماية قيادات الإدارات الأهلية والمجتمعية، مشددة على أهمية حماية حقوق الإنسان، وأشارت إلى دور منظمتها في التواصل بشأن قضايا المعتقلات.
وقالت إن النساء في ظل الحرب «يدفعن الفاتورة الأكبر»، إذ تحملن مسؤوليات اجتماعية واقتصادية كبيرة، ودعت إلى تعزيز دورهن في عملية السلام، باعتبار أن لديهن قدرة على رتق النسيج الاجتماعي. كما دعت إلى تجاوز الانقسامات القبلية والجهوية، مشيرة إلى أهمية التشبيك بين المنظمات والكيانات النسوية السودانية والعالمية.وتحدثت البشاري عن دور منظمة نساء السودان من أجل السلام في تدريب النساء على القيادة والتفاوض وثقافة السلام ونبذ العنصرية وفض النزاعات، والعمل على إيصال صوت النازحات واللاجئات، مؤكدة ضرورة إشراك النساء في رسم مستقبل البلاد. وقالت: «علينا كنساء أن نجعل من اختلافاتنا مصدر قوة بالتشبيك».واعتبرت البشاري أن مناقشة قضية استهداف قيادات الإدارات الأهلية والمجتمعية والمدنية قضية مركزية وملحة، وقالت إن هذه القيادات تحمّلت مسؤولية حماية المدنيين، وفي الوقت الذي كان ينبغي أن تكون فيه أصواتها مسموعة، أصبحت تواجه الاتهامات.وتساءلت: «أين كان الجيش؟ ولماذا لم يقم بحماية المدنيين؟»
والدي قاد مبادرات إنسانية
كشف محمد خالد بحيري تفاصيل قضية والده، الكاتب والمؤرخ خالد بحيري، وقال إن والده وقف إلى جانب أهله في الوقت الذي غادر فيه الجيش ولاية الجزيرة، وكان من أبرز المنظمين للمبادرات الإنسانية في مدينة ود مدني. وقال محمد إن والده استُهدف بسبب نشاطه الإنساني خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع على ولاية الجزيرة، وإنه رفض مغادرة مدينته، وقاد مبادرات خدمية لسد الفراغ الإداري، ساهمت، بحسب روايته، في إنقاذ حياة الآلاف. وأوضح أن والده أطلق مبادرة «مدني تشرب» لتوفير المياه النظيفة للعالقين، وأنشأ خيمة طبية متكاملة لتقديم الإسعافات الأولية والغذاء والعلاج، كما لعب دورًا في إقناع مهندسي المياه بإصلاح مشكلة المياه، وساعد في خروج المواطنين للعلاج والطلاب للدراسة.
وقال محمد إنه في اليوم الأول لدخول الجيش، جاءت قوة من الجيش وقوات من درع السودان، وشكرت والده على دوره في تقديم الخدمات الإنسانية، لكن في اليوم الثالث تم اعتقاله من منزله على يد قوة تابعة لجهاز المخابرات.وأضاف أن الأسرة بدأت البحث عن والده من خلال لجنة كبيرة شكّلها أهالي ود مدني، وقال إن والده أُخفي قسرًا لعدة أشهر.
وذكر محمد أن والده أُصيب بمرض الكوليرا داخل السجن، واتهم حكومة بورتسودان، بحسب وصفه، بنشر الأمراض في السجون بغرض التصفية، وهو اتهام يحتاج إلى تحقيق مستقل للتحقق منه.
وقال إن السلطات استهدفت أعضاء اللجنة التي كانت تتضامن مع والده، وإن خالد بحيري حُكم عليه في أكتوبر 2025 بالسجن المؤبد بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع.
وطالب محمد بإلغاء الحكم أو إعادة محاكمة والده أمام دائرة قضائية مستقلة تضمن شفافية الإجراءات، وفتح تحقيق مستقل في ظروف اعتقاله.
وأضاف: «الحكومة ليست لديها مقياس للجريمة، والجريمة في نظرها أن تكون ضد مشروعها الإسلامي»، ووصف الحكم على والده بأنه مسيّس.
وقال إن بعض الشهود الذين أدلوا بشهاداتهم ضد والده تعرضوا، بحسب قوله، للضغوط والمساومة مقابل إخراجهم من السجن، مشيرًا إلى أن عددًا منهم أُعيد القبض عليه لاحقًا في قضايا تتعلق بالرشوة، ومن بينهم القاضي والمتحري في قضية والده، على حد قوله.
ووصف محمد هؤلاء بأنهم غير مؤهلين لمحاكمة الناس، وقال: «إذا كانت هناك عدالة حقيقية، لأُطلق سراح المدنيين وقيادات الإدارات الأهلية، وحوكم المطلوبون لدى المحكمة الجنائية الدولية، وكذلك الذين فضوا اعتصام القيادة».
وختم حديثه بالقول إن شعار «بل بس» لا يصنع سلامًا، لكن السلام يمكن أن يُصنع بالتسامح، مطالبًا بإلغاء أحكام الإعدام والسجن بحق والده وكل المدنيين وقيادات الإدارات الأهلية.
يجب الحديث عن جميع الانتهاكات
تحدثت الشابة بسملة محمد مركز، منسقة التدريب في منظمة نساء السودان من أجل السلام، والحاصلة على درجة الماجستير في العلوم الطبية الحيوية، عن أهمية السلام وإيصال الخدمات الإنسانية إلى المتضررين من الحرب. وقالت إن لديها اهتمامًا خاصًا بقضايا المرأة والشباب والأزمة الإنسانية في السودان، مشيرة إلى مشاركاتها في عدد من المنابر الدولية، من بينها مخاطبتها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 بشأن الأوضاع الإنسانية في السودان وتداعيات الحرب على المدنيين. وقالت بسملة إن الجيش ظل، بحسب رأيها، رافضًا للحلول السلمية، وإن الحرب قضت على الثورة المدنية، مشيرة إلى تضحيات شباب الثورة. وانتقدت ما وصفته بتركيز بعض الشباب على استعراض انتهاكات قوات الدعم السريع في المنابر الدولية، مع تجاهل الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش ضد المدنيين، والتي قالت إنها تشمل القصف الجوي والبراميل الحارقة وغيرها من الانتهاكات. وأضافت أنها عندما تحدثت في أحد المنابر الأممية عن الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش، وعرضت صورًا ومقاطع فيديو، واجهت اتهامات من بعض الشباب المدافعين عن الجيش بأنها تنتمي إلى قوات الدعم السريع. وانتقدت ما وصفته بسياسة الصمت تجاه الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش وإسكات الأصوات بالاعتقالات، مؤكدة ضرورة الحديث عن جميع الانتهاكات التي ترتكبها أطراف الحرب.وأضافت: «حينما نتحدث عن السلام، هم يتحدثون عن (بل بس)».
ودعت القوى الإقليمية والدولية إلى العمل من أجل تحقيق السلام في السودان.كما تحدثت بسملة أمام البرلمان الأوروبي عام 2024 باسم الشبكة الأوروبية للقضاء على ختان الإناث، بصفتها سفيرة شبابية لدى الشبكة، متناولة قضايا حقوق المرأة ومناهضة الممارسات الضارة.
وتعمل بسملة منسقة للتدريب في منظمة نساء السودان من أجل السلام، حيث تسهم في برامج بناء القدرات والتدريب المرتبطة بالسلام وتمكين النساء والعمل المجتمعي.
رجاء بشير: التوثيق القانوني يحمي الضحايا
كما تحدثت رجاء بشير، العضوة المؤسسة لمركز واشنطن الثقافي، عن أهمية توثيق الأحكام التي وصفتها بالتعسفية ضد زعماء الإدارات الأهلية والنشطاء المدنيين، معتبرة أن ذلك يمثل خطوة أساسية لحمايتهم ومحاسبة المنتهكين أمام الجهات الحقوقية الدولية والإقليمية.
وشددت على ضرورة أن يحظى الملف القانوني بحضور قوي ومقبول لدى المنظمات الدولية، مؤكدة أن عملية التوثيق يجب أن تتم وفق معايير صارمة. وأوضحت خطوات التوثيق القانوني الفعال، وتشمل: جمع البيانات الشخصية، بما في ذلك الاسم الكامل والوظيفة والصفة القبلية أو المدنية. رصد تفاصيل الاعتقال، بما في ذلك تاريخ الاحتجاز والجهة المنفذة ومكان التوقيف الحالي. تسجيل الانتهاكات القانونية، مثل غياب المحامين أو انتزاع الاعترافات بالقوة أو الحرمان من المحاكمة العادلة. توصيف الحكم الصادر، ومنطوق الحكم ومدته والجهة القضائية والاتهامات الموجهة إلى المتهم. حصر الأضرار الجانبية، بما في ذلك التهديدات الموجهة إلى أفراد الأسرة أو مصادرة الممتلكات الشخصية. وتحدثت عن آليات رفع الملفات إلى الجهات الحقوقية الدولية، ومن بينها المقررون الخاصون للأمم المتحدة، من خلال إرسال شكاوى عاجلة إلى المقرر الخاص المعني بالاحتجاز والمدافعين عن حقوق الإنسان.
كما أشارت إلى إمكانية تقديم مذكرات قانونية إلى لجان حقوق الإنسان الإقليمية، مثل اللجنة الأفريقية أو العربية، وتزويد المنظمات الدولية غير الحكومية، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بملفات الحالات الموثقة.
إظهار الظلم،
وأوضحت إيمان بدر الدين، العضوة المؤسسة لمركز واشنطن الثقافي، أن الحملة التضامنية مع قيادات الإدارات الأهلية والمجتمعية والقوى المدنية تهدف إلى إظهار ما وصفته بالظلم، وتسليط الضوء على ما اعتبرته جرائم افتراء وكيد سياسي ضد المدنيين. وقالت إن تهمة التعاون مع قوات الدعم السريع لا تستند، بحسب رأيها، إلى أدلة واضحة، وإن الهدف منها هو تصفية الخصومات السياسية.
الإدارة الأهلية ودورها في المجتمع
الإدارة الأهلية ودورها في المجتمع حضور سبق قيام الدولة السودانية الحديثة، وحرص الاستعمار البريطاني على تنظيمها لإدارة مجتمع واسع ومتنوع بأقل تكلفة ممكنة. وبعد الاستقلال، احتفظت هذه القيادات بدرجات مختلفة من القوة والصلاحيات.
ومن هنا، فإن قيادات الإدارة الأهلية التي استهدفتها حكومة بورتسودان، سواء بالاتهام أو المحاكمة أو إصدار أحكام قاسية بحقها، هم في النهاية مواطنون ومدنيون، ويجب أن تظل حقوقهم في المحاكمة العادلة والضمانات القانونية مصونة، بصرف النظر عن مواقفهم السياسية أو الاجتماعية.
وتؤكد الندوة، في مجمل مداخلاتها، أن معالجة ملف قيادات الإدارات الأهلية والمدنيين المتهمين بالتعاون مع أطراف الحرب تحتاج إلى ضمانات قضائية مستقلة، وتوثيق دقيق للانتهاكات، وإتاحة الفرصة للمتهمين للدفاع عن أنفسهم، بعيدًا عن الانتقام السياسي أو التوظيف القبلي، بما يساهم في بناء الثقة وتهيئة المناخ أمام السلام والمصالحة الوطنية



