

قصة مملكة الحيوانات التي اختارت الحلوف ( الخنزير البري) قاضياً لمسابقة الجمال ، فحكم لابنه القبيح لينال تاج ملك جمال الغابة، ليست مجرد خرافة، إنها مرآة مشوهة تعكس لعنة تطارد السودان منذ تأسيسه ،فالنرجسية القبلية التي حولت الوطن إلى ساحة حرب هويات، حيث كل قبيلة تتصرف كـ “حلوف” الغابة، ترى في ذاتها ذروة الجمال والحق الإلهي، وفي الآخرين مجرد كائنات مخلوقة”وَرَاء الضِبَان”.
تجعلنا في حوجة الي تشريح خرائط التفوق الوهمي عند السودانيبن ، لنجد شمال ضد غرب “بقايا المستعمر” مقابل “غزاة غرب أفريقيا”
غرب ضد شرق “كأصول أفريقية دنيئة” مقابل “أحباش و أرتريين” لون ضد لون”عبد” للأسود القاتم، “حلبي” للأقل سواداً و في نفس القبيلة تجد الأخ الأشد سواداً يُنظر إليه كخادم لأخيه الأفتح
فلماذا كل هذا التمازج الساخر: عربي يسخر من نوبي ” عب”، ونوبي ينكر إنسانية العربي “الوافد” و من منكم لم يسمع بمفردات الإقصاء او لم يقرا قاموس الكراهية الخفي في السودان؟ لم تعد القبلية مجرد انتماء، بل تحولت إلى أيديولوجيا سامة تتجسد في لغة التدنيس ، مخلوق “وراء الضبان” (أدنى من الذباب)، “عبد”، و ود بلد
و كل أساطير التفوق و ادعاءات النقاء العرقي المزيف ،احتكار السودانية، نفي هوية الآخر حتى بين من يجمعهم نسب واحد ؟؟
هذا الانفصام التاريخي يتجلي في تبني روايات متناقضة تقسم الوطن إلى غزاة ومقاومين ، اولاد بلد و عبيد و المفارقة المميتة انتجت وطن بلا شعب،و العجيب ايضا أن هذه المعادلة انتجت شعباً وهمياً
فالشمالي “العربي” يُنكر انتماء الغرابي و الغرابي يُنفي شرقية الشرقي و الجميع يتفقون على تهميش الجنوبي و النتيجة في النهاية: لا أحد سوداني بالكامل!
لكن السؤال الجوهري: لماذا يموت السودان غرقاً في بحر وهم الاستعلاء العرقي هذا؟ هل الإجابة تكمن في “لعنة الحلوف الجماعية” حيث كل مجموعة قبلية تتصرف كالحلوف في القصة،و ترى في ابنها القبيح “أجمل مخلوق” ليكون التنافس ليس على بناء الوطن، بل على إثبات تفوق وهمي، فيه طلبات استحقاق الثروة والسلطة تُقاس بحصة القبيلة لا بكفاءة الأفراد و فيه النخب تستثمر في إحياء الصراعات (الهوياتية) لتحويل الأنظار عن فشلها ؟؟
و الان نحن نقف بين خياري المقبرة والمعجزة و التاريخ يقدم فقط خيارين لا ثالث لهما ،خيار رواندا التي حولت مجزرة مليون ضحية إلى نموذج مصالحة و ازدهار وطن تشتهيه الانفس
وخيار يوغوسلافيا التي مزقتها النزعات العرقية حتى أصبحت 7 دول
و السودان أمام مفترق وجودي إما أن تدفن قبائله أوهام التفوق في مقابر التاريخ، أو تدفنه هذه الأوهام في مقبرة جماعية،فالمسألة ليست “تعايشاً” بل إنقاذاً من الانتحار الجماعي ،فهل نستفيق قبل أن يصبح كل سوداني “حلوفاً” يحمل جثة وطنه على ظهره؟ فالوطن الذي يتحول إلى غابة من الأوهام، لن يملك حتى ‘حماراً’ حكيماً لينقذه من نفسه
عبدالله محمد ادم
كمبالا
يوليو ٢٠٢٥




