تقارير وتحقيقات

السودان بوابة طهران إلى إفريقيا كيف تحوّلت الحرب إلى منصة نفوذ إيراني على البحر الأحمر والساحل؟

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

التنوير تقرير سكاي نيوز عربية 

في خضم الحرب السودانية المعقدة، لم تعد البلاد مجرد ساحة صراع داخلي بين أطراف متنازعة، بل تحولت تدريجياً إلى نقطة تقاطع لمشروعات إقليمية ودولية متنافسة. وبينما ينشغل العالم بتداعيات النزوح والجوع والانهيار المؤسسي، تتشكل على الأرض معادلات جديدة تتجاوز حدود السودان، وتعيد رسم خرائط النفوذ في البحر الأحمر وشرق إفريقيا ومنطقة الساحل.

تقرير تحليلي حديث نشره منتدى الشرق الأوسط سلّط الضوء على ما وصفه بتحول استراتيجي إيراني يقوم على توسيع النفوذ داخل القارة الإفريقية، وربط هذا التمدد بالصراع المفتوح مع إسرائيل، وبالمنافسة الأوسع مع الغرب على طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية الحساسة. وفي هذا السياق، برز السودان باعتباره الحلقة الأكثر أهمية في هذه الخطة.

السودان من أزمة داخلية إلى عقدة جيوسياسية

يرى التقرير أن السودان يتمتع بمواصفات استثنائية تجعله هدفاً مثالياً لأي مشروع توسع خارجي. فهو يطل على البحر الأحمر بساحل طويل يمتد لنحو 530 ميلاً، ويقع مقابل السواحل السعودية وعلى مسافة قريبة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

هذا الموقع يمنح الخرطوم، أو السلطة المسيطرة على الموانئ السودانية، قدرة استراتيجية على التأثير غير المباشر في حركة الملاحة والتجارة. ومع اندلاع الحرب الداخلية وتراجع مؤسسات الدولة، أصبحت البلاد أكثر هشاشة وأقل قدرة على مقاومة الاختراقات الخارجية.

ويشير التقرير إلى أن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران في أكتوبر 2023 لم يكن حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع احتدام المعارك وتراجع القوات المسلحة السودانية في بعض الجبهات، ما فتح الباب أمام ترتيبات أمنية وعسكرية جديدة.

من العلاقات السياسية إلى شراكة السلاح

بحسب التقرير، لم يتوقف التقارب عند حدود إعادة العلاقات، بل تطور سريعاً إلى تعاون ميداني يشمل التسليح والتدريب والدعم اللوجستي. ويقول إن ما بدأ بشحنات متفرقة من المعدات العسكرية، تطور إلى شبكة أكثر انتظاماً لنقل الطائرات المسيّرة وقطع الغيار وأنظمة التشغيل.

ويرجح التقرير أن هذا التعاون منح الجيش السوداني أدوات جديدة في المعركة، خاصة في مجال الاستطلاع والضربات الدقيقة من مسافات بعيدة، وهو ما انعكس لاحقاً على مسار العمليات داخل الخرطوم وأم درمان وبحري، ثم في جبهات أخرى.

كما يشير إلى أن بعض خطوط الإمداد جرى تصميمها للعمل خارج نطاق الرقابة الغربية والعقوبات التقليدية، عبر ترتيبات تجارية معقدة تشمل الذهب والمعادن والموارد الطبيعية، مقابل الدعم العسكري والتقني.

الجسر الجوي بين بندر عباس وبورتسودان

واحدة من أبرز النقاط التي ركز عليها التقرير هي ما سماه “الجسر الجوي الإيراني الإفريقي”. إذ رصد محللون، وفقاً له، رحلات شحن منتظمة بين مدينة بندر عباس الإيرانية وميناء بورتسودان منذ أواخر عام 2023.

وأشار إلى أن طائرات شحن كبيرة، بينها طائرة بوينغ 747 مرتبطة بشركة إيرانية، نفذت عدة رحلات خلال فترة قصيرة، ما عزز الشكوك بشأن طبيعة الحمولة المنقولة.

كما تحدث التقرير عن صور أقمار صناعية أظهرت وجود طائرات مسيّرة من طراز “مهاجر 6” داخل قاعدة وادي سيدنا الجوية قرب الخرطوم، إضافة إلى عربات تحكم أرضية ومعدات تشغيل، وهو ما اعتبره مؤشراً على انتقال الدعم من المستوى النظري إلى التمركز العملياتي المباشر.

ويقول محللون إن هذا التطور مثّل نقطة تحول في استخدام التكنولوجيا العسكرية داخل الحرب السودانية، خصوصاً مع تزايد أهمية الطائرات المسيّرة في النزاعات الحديثة.

البحر الأحمر.. المعركة الأبعد من السودان

لا يقرأ التقرير الحضور الإيراني في السودان باعتباره ملفاً سودانياً خالصاً، بل جزءاً من صراع أوسع على الممرات البحرية. فمن يملك موطئ قدم مؤثر على الساحل السوداني، يقترب عملياً من باب المندب، ويتحرك في خاصرة الملاحة العالمية.

ويمر عبر هذا المضيق نحو 12 بالمئة من التجارة الدولية، كما يشكل شرياناً رئيسياً لنقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا. ومن ثم فإن أي تموضع عسكري أو استخباراتي قربه يثير اهتمام القوى الكبرى.

ويضيف التقرير أن النفوذ الإيراني في السودان قد يمنح طهران فرصة لتعزيز خطوط الإمداد الجنوبية لحلفائها الحوثيين في اليمن، بما يخلق ضغطاً مزدوجاً على حركة الملاحة: من جهة مضيق هرمز شمالاً، ومن جهة باب المندب جنوباً.

وقد أدى تصاعد التوتر في البحر الأحمر خلال الأعوام الأخيرة إلى تحويل مسارات شحن عديدة نحو رأس الرجاء الصالح، ما رفع الكلفة وأطال زمن الرحلات بين 10 و14 يوماً في بعض الحالات.

البعد الأيديولوجي وصناعة الحلفاء

يرى التقرير أن أخطر ما في التمدد الإيراني ليس السلاح وحده، بل البعد الفكري والمؤسسي المصاحب له. فالتجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن طهران تميل إلى بناء شبكات نفوذ طويلة الأمد عبر التدريب العقائدي، وتكوين نخب عسكرية وأمنية تدين لها بالولاء.

وفي الحالة السودانية، يحذر التقرير من احتمال ترسيخ ثقافة عسكرية متأثرة بالنموذج الإيراني داخل بعض مراكز القوة، خاصة في ظل وجود تيارات إسلامية ذات روابط تاريخية وتنظيمية مع بيئات مشابهة.

ويشير إلى أن هذا النمط سبق أن ظهر بدرجات متفاوتة في دول أخرى، حيث بدأ بدعم عسكري محدود ثم تحول إلى نفوذ سياسي وأمني ممتد.

من الخرطوم إلى الساحل الإفريقي

لا يقف الطموح الإيراني، وفق التقرير، عند حدود السودان. فهناك تحركات متزايدة نحو دول الساحل الإفريقي، خاصة بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وهي دول تشهد تحولات أمنية وانقلابات عسكرية وفراغاً في الشراكات التقليدية.

وأشار التقرير إلى زيارة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى إلى المنطقة، وعروض تتعلق بالطائرات المسيّرة والتعاون الدفاعي مقابل امتيازات اقتصادية وموارد طبيعية.

كما حذر من سيناريو مستقبلي يتمثل في استخدام السودان مركزاً صناعياً أو لوجستياً لتزويد جماعات مسلحة أو أنظمة حليفة في الساحل خلال السنوات المقبلة، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني في إفريقيا.

صمت دولي وأسئلة مفتوحة

يخلص التقرير إلى أن الاستجابة الدولية ما تزال أقل من حجم التحولات الجارية. فالقوى الغربية تركز بدرجة أكبر على وقف الحرب والإغاثة الإنسانية، بينما تتغير الوقائع الاستراتيجية على الأرض بوتيرة أسرع.

وفي نظر التقرير، فإن السودان لم يعد مجرد بلد يعيش حرباً أهلية، بل أصبح ساحة اختبار لنموذج جديد من التمدد الإقليمي، يقوم على استغلال الفوضى، وبناء النفوذ تدريجياً، وربط الأزمات المحلية بصراعات أوسع.

ويبقى السؤال الأهم: هل يدرك المجتمع الدولي أن ما يجري في السودان اليوم قد يعيد تشكيل توازنات البحر الأحمر وإفريقيا لعقد كامل قادم؟ أم أن العالم سينتبه بعد فوات الأوان؟

سكاي نيوز عربية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!