
أزمة التعليم كارثة وطنية و المعلم بين خيار الفقر أو ترك المهنة
راتب ٣٠ عامًا خدمة يعادل ٤٠ دولارًا ولا نريد عسكرة و تسييس للمناهج
حوار حنان الطيب
في ظل الحرب والأزمات الاقتصادية التي تعصف بالسودان، يقف التعليم على حافة الانهيار، فيما يواجه المعلمون أوضاعًا معيشية بالغة القسوة. كشف رئيس لجنة المعلمين السودانيين، الأستاذ سامي الباقر، في حوار مع صحيفة التنوير، أن راتب المعلم لم يعد يغطي سوى ٤٫٢٪ من تكلفة المعيشة الأساسية للأسرة، وهو ما جعل المعلم يعمل في ظروف لا توفر له الحد الأدنى من الاستقرار.وأشار الباقر إلى أن الأزمة لا تتوقف عند ضعف المرتبات، بل تشمل أيضًا تأخر الصرف وتراكم المتأخرات، منتقدًا غياب التنفيذ لقرارات قائمة منذ سنوات مثل منحتي العيد وبدل الكسوة والوجبة والسكن. وحذّر من أن استمرار تجاهل الأزمة ستكون له كلفة مباشرة على التعليم، خاصة مع وجود أكثر من ٨ ملايين طفل خارج المدرسة، وإغلاق ٨١٪ من مدارس دارفور معتبرًا ذلك “كارثة مستقبلية تهدد بفقدان جيل كامل لحقه في التعليم”.في السطور التالية، تفاصيل الحوار الذي يكشف عن عمق الأزمة التعليمية في السودان ورؤية لجنة المعلمين للإصلاح المطلوب.
كيف تصفون الوضع المعيشي للمعلم السوداني اليوم؟ الوضع المعيشي للمعلم السوداني وصل إلى مرحلة بالغة القسوة، ولم تعد المسألة مجرد انخفاض في قيمة الراتب، وإنما أصبحت فجوة كبيرة بين الأجر وتكلفة الحياة. دراسة أجرتها لجنة المعلمين السودانيين في يونيو ٢٠٢٦م أظهرت أن راتب المعلم لا يغطي سوى نحو ٤٫٢٪ من تكلفة المعيشة الأساسية للأسرة.وفي الدراسة نفسها، كان راتب معلم الدرجة الأولى، بعد أكثر من ٣٠ عامًا من الخدمة، يبلغ ٢٢٥ ألف جنيه (نحو ٤٠٫٩١ دولارًا)، بينما يبلغ راتب الدرجة التاسعة ٨٢ ألف جنيه (نحو ١٤٫٩١ دولارًا) وفق سعر الصرف المستخدم في الدراسة. وفي عام ٢٠٢٢م كان راتب الدرجة الأولى يعادل نحو ٤٩٨ دولارًا، والدرجة التاسعة نحو ١٨١ دولارًا؛ وهذا يوضح حجم الانهيار في القوة الشرائية للمعلم.والأزمة لا تتوقف عند قيمة الراتب، بل تشمل أيضًا تأخر الصرف وتراكم المتأخرات، ولذلك أصبح المعلم يعمل في ظروف لا توفر له الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي الذي يمكن أن يساعده على أداء رسالته التربوية.
إلى أي مدى أثرت الأزمة المعيشية على استمرار المعلمين في المهنة وأدائهم للعملية التعليمية؟
عندما يصبح راتب المعلم أقل من تكلفة احتياجات أسرته الأساسية، فإننا ندفعه عمليًا للبحث عن مصادر دخل أخرى. وهذا يؤثر في تركيزه واستقراره، وقد يدفع بعض المعلمين إلى ترك المهنة أو العمل في أكثر من وظيفة.نحن لا نريد أن نضع المعلم أمام خيارين إما أن يموت فقرًا وهو متمسك بمهنته، أو يترك التعليم بحثًا عن مصدر رزق. المعلم يحتاج إلى أجر يحفظ كرامته ويمكنه من إعالة أسرته.ولهذا فإن تحسين أجور المعلمين ليس مطلبًا فئويًا منفصلًا عن التعليم؛ إنه جزء من إنقاذ العملية التعليمية نفسها.
لجنة المعلمين طالبت بزيادة الأجور وصرف المتأخرات.ما الذي تطالبون به تحديدًا ؟
نحن طالبنا برفع الحد الأدنى للأجور إلى ٣٦٠ ألف جنيه، وصرف جميع المتأخرات، وانتظام صرف المرتبات في موعدها، وتنفيذ الترقيات والاستحقاقات، وعدم تحميل المعلم تكاليف العملية التعليمية من جيبه.صدرت خلال الفترة الأخيرة زيادات في المرتبات، وأصبح راتب الدرجة الأولى، وفق تفاصيل الزيادة المعلنة في أغسطس ٢٠٢٦م، نحو ٥٠١ ألف جنيه، والدرجة الثانية ٤٥٢ ألفًا، والثالثة ٤٣٠ ألفًا، والرابعة ٤٠١ ألفًا، والخامسة ٣٦٣ ألفًا، بينما بلغ راتب الدرجة التاسعة ٣٢٣ ألف جنيه.لكننا قلنا بوضوح إن هذه الزيادة خطوة إلى الأمام، وليست نهاية الأزمة، لأن هناك متأخرات واستحقاقات متراكمة، كما أن بعض الولايات لم تنفذ الاستحقاقات بالصورة المطلوبة.ونحن نتمسك بأن القرارات الصادرة بشأن حقوق المعلمين يجب أن تُنفذ، ومنها ما يتعلق ببدلات الوجبة والسكن ومعالجة الفوارق في الأجور، فضلًا عن الحقوق التي كانت مقررة قبل الحرب ثم توقفت.
شهدت الفترة الماضية إضرابات وتحركات في الخرطوم والنيل الأبيض، ثم امتد الحراك إلى كسلا والجزيرة. ماذا تقول لكم هذه التحركات؟
هذه التحركات تقول إن أزمة المعلمين أصبحت أزمة عامة وليست قضية ولاية أو مجموعة محددة. في الخرطوم شهدنا إضرابات واسعة وأُغلقت نحو ١٠٠ مدرسة في إحدى جولات الإضراب، وكانت المطالب واضحة: تحسين الأجور، صرف المتأخرات، تنفيذ الاستحقاقات، وزيادة الإنفاق على التعليم.وفي كسلا اتسع الحراك بصورة كبيرة، وشمل معظم المحليات، وفي الجزيرة دخل المعلمون في إضراب مفتوح. كما شهدت ولايات أخرى تحركات بدرجات مختلفة.هذه التحركات تؤكد أن المعلم لم يعد قادرًا على تحمل الوضع الحالي، وأن استمرار تجاهل الأزمة ستكون له كلفة مباشرة على التعليم.
هل تعتبرون الإضراب هدفًا في حد ذاته؟
لا الإضراب وسيلة سلمية ومطلبية، وليس هدفًا. نحن نريد أن تعمل المدارس، ونريد للطلاب أن يتعلموا، والمعلم هو أول من يتضرر عندما تتعطل الدراسة.لكن عندما تتراكم المطالب، وتتأخر المرتبات، وتتوقف الاستحقاقات، ولا تجد المذكرات والمخاطبات طريقها إلى الحل، يصبح التحرك السلمي وسيلة مشروعة للضغط من أجل تنفيذ الحقوق.ولهذا فإن إنهاء الإضرابات لا يكون بالضغط على المعلمين، وإنما بمعالجة الأسباب التي دفعتهم إليها.
صدر توجيه من مجلس الوزراء بشأن عدد من قضايا المعلمين. هل المشكلة الآن في غياب القرارات أم في تنفيذها؟ المشكلة الأساسية أصبحت في التنفيذ. نحن أمام قرارات واستحقاقات بعضها ليس جديدًا أصلًا، وإنما كان معمولًا به قبل الحرب.لدينا مثلًا قرار ٣٨٩ لسنة ٢٠١٦م بشأن منحتي عيد الفطر والأضحى وبدل الكسوة، وقرار ٣٨٠ لسنة ٢٠٢٢م بشأن طبيعة العمل بنسبة ٧٠٪ وبدلات المعلمين وبعض الفئات التعليمية، ثم جاءت قرارات لاحقة بشأن بدل الوجبة والسكن ومعالجة الفوارق في الأجور.كما صدر القرار ٧٨ لسنة ٢٠٢٦م لمعالجة الفوارق في الأجور، وبدأ تطبيقه بأثر رجعي من مارس ٢٠٢٦م وفق ما أعلنته الجهات المختصة.
إذن نحن لا نطالب الحكومة بمنح استثنائية، وإنما نطالب بتنفيذ حقوق وقرارات قائمة. ونحن لا نستعدي موظفي وزارة المالية أو العاملين في الدولة، فهؤلاء لهم حقوقهم أيضًا، لكننا نقول للجهات صاحبة القرار لا يمكن أن تظل حقوق المعلمين رهينة للتسويف أو لتباين التنفيذ بين ولاية وأخرى.
بعيدًا عن قضية المرتبات، السودان يواجه أزمة تعليمية ضخمة. هناك أكثر من ثمانية ملايين طفل خارج المدرسة. كيف تقرأون هذه الكارثة؟
هذه هي القضية الأخطر. أكثر من ٨ ملايين طفل وشاب في السودان خارج المدرسة، أي أكثر من نصف السكان في سن الدراسة، وفق بيانات اليونسكو في أغسطس ٢٠٢٦م. وتؤكد اليونيسف كذلك أن الأزمة تتركز بصورة أشد في دارفور وكردفان.هذا يعني أننا لا نتعامل مع مشكلة تسجيل أو امتحانات فقط؛ نحن أمام خطر فقدان جيل كامل لحقه في التعليم. الطفل الذي يفقد سنة دراسية يمكن تعويضه، لكن عندما يفقد سنتين أو ثلاثًا أو أربع سنوات، يصبح احتمال عدم عودته إلى المدرسة أكبر. لذلك فإن إنقاذ التعليم يجب أن يكون جزءًا من الاستجابة للحرب، وليس ملفًا نؤجله إلى ما بعد الحرب.
الأسباب الرئيسية للتسرب من التعليم، خصوصًا في كردفان ودارفور؟
الحرب هي العامل الأكبر، لكنها تتداخل مع الفقر والنزوح وتدمير المدارس وفقدان مصادر دخل الأسر وارتفاع تكاليف التعليم والمواصلات والاحتياجات المدرسية. وفي المناطق التي تأثرت بالنزاع، وصلت معدلات التسرب، وفق تقديرات ومتابعات لجنة المعلمين، إلى مستويات مرتفعة تصل في بعض المناطق إلى نحو ٤٥٪، خصوصًا في أجزاء من كردفان وغرب دارفور.وهذا الرقم يجب أن نفهمه في سياقه عندما تنزح الأسرة أكثر من مرة، أو تفقد مصدر دخلها، يصبح الطفل معرضًا للانقطاع عن المدرسة، وقد يذهب إلى العمل أو يتحمل مسؤوليات أسرية بدلًا من الجلوس في الفصل. ولهذا لا يمكن معالجة التسرب بإصدار قرار إد
في دارفور تحديدًا، ما حجم الكارثة التعليمية؟ الوضع في دارفور شديد القسوة. وفق تحديث اليونيسف نصف السنوي لعام ٢٠٢٦م، ما زالت ٨١٪ من المدارس في دارفور مغلقة، و٧٠٪ من الأطفال في الإقليم لا يرتادون المدرسة، كما أن ٥٫٨٪ من المدارس تستخدم كمراكز إيواء للنازحين.الصورة تصبح أكثر وضوحًا عندما نعلم أن اليونيسف تقدر عدد الأطفال في سن المدرسة في دارفور بنحو ٤ ملايين طفل، أكثر من ٣ ملايين منهم خارج المدرسة.هذه ليست مجرد أزمة تعليمية؛ إنها أزمة مستقبل. نحن أمام ملايين الأطفال الذين قد يدخلون مرحلة ما بعد الحرب وهم يحملون فجوة تعليمية هائلة.
هل تخشون أن تؤدي الحرب إلى فقدان جيل كامل لسنواته الدراسية؟
نعم وهذا من أخطر مخاوفنا. بعض الأطفال فقدوا قرابة ٥٠٠ يوم من التعلم بسبب الحرب وإغلاق المدارس. تخيل طفلًا كان في الصف الثالث أو الرابع عندما اندلعت الحرب، ثم تمر عليه سنوات دون مدرسة منتظمة. المسألة هنا ليست فقط أنه لم يدرس المنهج؛ بل إنه فقد بيئة التعلم، والمهارات الأساسية، والتفاعل الاجتماعي، والشعور بالاستقرار.ولهذا نقول إن التعليم في زمن الحرب ليس ترفًا يمكن تأجيله، بل هو جزء من حماية الأطفال أنفسهم.
ما تصور لجنة المعلمين لتعليم الطوارئ في السودان؟نحن نحتاج إلى خطة وطنية واضحة لتعليم الطوارئ، تشمل الأطفال النازحين واللاجئين والأطفال الموجودين في مناطق النزاع والمناطق التي تعطلت فيها المدارس. ويجب أن تشمل الخطة توفير المساحات التعليمية الآمنة، ودعم المعلمين، والمواد التعليمية، والدعم النفسي والاجتماعي، والتعليم التعويضي للأطفال الذين فقدوا سنوات من الدراسة.وهناك بالفعل توجه دولي لدعم هذا المسار؛ ففي أغسطس ٢٠٢٦م أُعلن عن برنامج بقيمة ٢٢ مليون دولار يستهدف نحو ٢٠٠ ألف طفل في غرب دارفور وجنوب كردفان والقضارف، مع إعطاء أولوية للفتيات والأطفال ذوي الإعاقة.لكن هذه الأرقام توضح أيضًا حجم الفجوة: إذا كان لدينا أكثر من ٨ ملايين طفل خارج المدرسة، فإن برنامجًا يستهدف ٢٠٠ ألف طفل، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن خطة وطنية شاملة.
كيف يمكن ضمان حق التعليم لجميع الأطفال في السودان، بما في ذلك الموجودون في مناطق النزاع والنزوح؟
يجب أن نتعامل مع التعليم باعتباره حقًا لا يسقط بسبب الحرب. وهذا يعني توفير بدائل تعليمية للأطفال في مناطق النزوح، وفتح المدارس كلما سمحت الظروف الأمنية، وإنشاء مساحات تعليمية آمنة في المناطق التي لا يمكن فيها تشغيل المدارس بصورة طبيعية.كما يجب حماية المدارس من الاستخدام العسكري. فوفق بيانات اليونيسف، هناك ٥٫٨٪ من المدارس في السودان مستخدمة كملاجئ للنازحين، فضلًا عن تعرض مدارس لهجمات خلال ٢٠٢٦م. نحن بحاجة إلى حماية المدرسة كمساحة مدنية وتعليمية، لأن تحويلها إلى ملجأ أو موقع عسكري يضاعف خسارة الطفل.
هناك حديث عن محاولة تضمين «معركة الكرامة» في المناهج. ما موقف لجنة المعلمين السودانيين؟
موقفنا واضح نرفض تحويل المناهج إلى أداة للتعبئة السياسية أو العسكرية. نحن لا نقول إن التاريخ السوداني يجب أن يُحذف من المناهج، ولا إن الحرب الحالية لا يجوز تناولها، لكن تناول الأحداث التاريخية يجب أن يكون علميًا وتربويًا ومتوازنًا، لا أن يتحول المنهج إلى خطاب تعبئة لطرف ضد طرف.الطفل السوداني يحتاج إلى أن يتعلم تاريخ بلاده بكل تعقيداته، وأن يفهم معنى المواطنة والسلام والتنوع، لا أن يدخل الفصل وهو مطالب بتبني موقف سياسي أو عسكري.
هل تخشون من إعادة إنتاج تجربة الإنقاذ في قطاع التعليم؟
نحن نخشى من إعادة إنتاج أي تجربة تجعل التعليم تابعًا للسلطة السياسية، سواء كانت هذه السلطة تنتمي إلى الإنقاذ أو إلى أي مشروع سياسي آخر. موقفنا ليس قائمًا على تصفية حسابات مع أشخاص، وإنما على ضرورة حماية المؤسسات التعليمية من التسييس.التعليم يحتاج إلى الكفاءة والمهنية والاستقلالية، وليس إلى الولاء السياسي. ولذلك نرفض إعادة تدوير الكوادر التي ارتبطت بمشروعات سياسية داخل مواقع يفترض أن تكون مهنية، كما نرفض استخدام التعليم لإعادة إنتاج أي نظام أيديولوجي.
كيف يمكن ضمان استقلال التعليم عن الصراع السياسي والعسكري؟
نحتاج إلى مؤسسات تعليمية مهنية، وإلى تشريعات وممارسات تحمي المدرسة والجامعة والمعلم والطالب من الاستقطاب. كما يجب أن تكون هناك مسافة واضحة بين المؤسسة التعليمية والمؤسسة العسكرية والسياسية.لا نريد أن يدخل الطالب إلى المدرسة ليجد خطاب الحرب، ولا نريد أن يتحول المعلم إلى أداة للدعاية، ولا أن تصبح المناهج ساحة صراع. المدرسة يجب أن تكون مكانًا للتعلم وبناء الشخصية الوطنية، لا مكانًا للتعبئة.
الحكومة تتحدث عن إصلاح المناهج. كيف تنظر لجنة المعلمين إلى هذه المحاولات؟
نحن مع تطوير المناهج وإصلاحها إذا كان ذلك يتم وفق أسس علمية وتربوية، وبمشاركة المعلمين والخبراء والمختصين والمجتمع، وبعيدًا عن الإملاءات السياسية. المناهج بطبيعتها تحتاج إلى المراجعة والتطوير، لكن السؤال الأهم هو: من يضع المنهج؟ وما المرجعية التي تحكم عملية الإصلاح؟ وما الصورة التي نريد أن نقدم بها السودان للطفل السوداني؟نحن نريد إصلاحًا يجعل الطالب أكثر قدرة على التفكير والفهم والنقد، وأكثر احترامًا للتنوع، لا إصلاحًا يحول الكتاب المدرسي إلى أداة للصراع.
ما الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها إصلاح المناهج السودانية؟
ينبغي أن تقوم على العلم والمواطنة واحترام التنوع السوداني والسلام والتعايش وحقوق الإنسان والتفكير النقدي. السودان بلد متنوع دينيًا وثقافيًا وإثنيًا وجغرافيًا، ولذلك لا يمكن أن يكون المنهج تعبيرًا عن رؤية جماعة واحدة للسودان.نريد منهجًا يساعد الطفل على أن يرى نفسه سودانيًا كامل الحقوق، وأن يرى الآخر شريكًا له في الوطن، لا خصمًا يجب إقصاؤه.
هناك شكاوى من تحصيل رسوم مرتفعة من التلاميذ والطلاب في ولاية الخرطوم، مع ضعف المساءلة من إدارات التعليم بالمحليات. كيف تنظرون إلى ذلك؟ نحن نرى أن التعليم العام حق، وليس خدمة تجارية. ندرك أن المدارس تحتاج إلى موارد، لكن لا يمكن معالجة ضعف التمويل الحكومي بتحميل الأسرة رسومًا متزايدة، خصوصًا في بلد يعاني من الحرب والتضخم والنزوح.الأسرة التي تعاني أصلًا من تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات لا يمكن أن تتحمل أيضًا تمويل المدرسة بصورة غير منظمة. المطلوب هو تمويل حكومي كافٍ للتعليم، مع شفافية في إدارة الأموال ومساءلة واضحة، وليس نقل العبء إلى أولياء الأمور.
هل أصبح التعليم الحكومي يتحول إلى عبء مالي على الأسرة السودانية؟
هناك بالفعل مؤشرات مقلقة على ذلك. عندما يدفع ولي الأمر للرسوم، والكتب، والزي، والمواصلات، والأنشطة، وغيرها، فإن مجانية التعليم تصبح على الورق فقط.والأمر أكثر قسوة في ظل الحرب؛ فلدينا أكثر من ٨ ملايين طفل خارج المدرسة، وفي الوقت نفسه تعاني ملايين الأسر من النزوح والفقر. لذلك فإن تحميل الأسرة تكلفة التعليم قد يصبح عاملًا إضافيًا في زيادة التسرب.
تحدثتم عن عسكرة التعليم في ولاية الجزيرة. ماذا تقصدون بذلك؟
نقصد بالعسكرة إدخال المظاهر أو الخطاب أو الممارسات العسكرية إلى البيئة التعليمية، أو التعامل مع المدرسة باعتبارها جزءًا من الصراع. نحن نرفض وجود السلاح داخل المؤسسات التعليمية، ونرفض استخدام المدارس لأغراض عسكرية، ونرفض أن يتحول الطالب إلى طرف في الصراع.هناك خط فاصل يجب ألا نتجاوزه: المدرسة للعلم، والطالب للتعلم، والمعلم للتربية والتعليم. وحتى اليونيسف تؤكد أن المدارس يجب أن تبقى آمنة ومخصصة للتعليم، خاصة مع استمرار استخدام نسبة من المدارس كملاجئ وتعرض مدارس أخرى لهجمات.
ما تأثير عسكرة البيئة التعليمية على الطالب والمعلم؟ تأثيرها خطير جدًا، لأن الطفل يتعلم من البيئة قبل أن يتعلم من الكتاب. إذا رأى السلاح في المدرسة، أو سمع خطاب الحرب داخل الفصل، فإننا نزرع في وعيه أن العنف وسيلة طبيعية لحل الخلافات.نحن نريد مدرسة تعلم الطفل الحوار واحترام الآخر والتعايش، لا مدرسة تعيد إنتاج الحرب داخل عقل الطفل.
ما الإصلاحات العاجلة التي يحتاج إليها التعليم السوداني الآن؟
هناك مجموعة من الأولويات لا يمكن فصل بعضها عن بعض حماية المدارس والمعلمين والطلاب.إعادة فتح المدارس الممكنة وتأهيل المدارس المتضررة.إطلاق خطة وطنية لتعليم الطوارئ.إعادة أكثر من ٨ ملايين طفل إلى مسار التعليم.معالجة أوضاع المعلمين وصرف مرتباتهم ومتأخراتهم.توفير التمويل الكافي للتعليم العام.حماية المناهج من التسييس والعسكرة.
ولا يمكن أن ننجح في إعادة الأطفال إلى المدارس إذا كان المعلم نفسه غير قادر على الاستمرار بسبب الفقر أو عدم صرف راتبه.
ماذا تطلبون من الحكومة والمجتمع الدولي والمنظمات العاملة في مجال التعليم؟
نطالب الحكومة بتحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه التعليم العام، وتنفيذ القرارات الخاصة بحقوق المعلمين، وتوفير التمويل اللازم للمدارس، وحماية المؤسسات التعليمية من الاستخدام العسكري والسياسي.ونطالب المجتمع الدولي والمنظمات بدعم التعليم باعتباره أولوية إنسانية، وليس ملفًا ثانويًا. هناك أكثر من ٨ ملايين طفل خارج المدرسة، وفي دارفور وحدها أكثر من ٣ ملايين طفل من أصل نحو ٤ ملايين في سن الدراسة خارج التعليم.وفي أغسطس ٢٠٢٦م أُعلن عن تمويل أولي قدره ٢٢ مليون دولار لاستهداف نحو ٢٠٠ ألف طفل في ثلاث ولايات، وهو تدخل مهم، لكنه يوضح حجم الفجوة بين الاحتياج والاستجابة. نحن بحاجة إلى استجابة بحجم الكارثة.
أخيرا، كيف تتصورون التعليم السوداني بعد الحرب؟ وما النظام التعليمي الذي تناضل لجنة المعلمين من أجله؟
نريد تعليمًا سودانيًا عامًا، مجانيًا وعادلًا، يصل إلى كل طفل سوداني دون تمييز، ويحصل فيه المعلم على أجر عادل يحفظ كرامته ويضمن استقراره.نريد مدرسة آمنة ومستقلة عن الصراع السياسي والعسكري، ومناهج تعكس تنوع السودان وتدعم السلام والمواطنة والتعايش، ومؤسسات تعليمية تقوم على الكفاءة والمهنية لا الولاء السياسي.والأهم أننا لا نريد أن تنتهي الحرب ثم نعود إلى إنتاج أسباب الأزمة نفسها. إذا كان أكثر من ٨ ملايين طفل خارج المدرسة اليوم، وإذا كانت ٨١٪ من مدارس دارفور مغلقة و٧٠٪ من أطفالها خارج التعليم، فإن إعادة البناء بعد الحرب يجب ألا تعني ترميم الجدران فقط؛ بل إعادة بناء النظام التعليمي نفسه.نحن في لجنة المعلمين السودانيين نرى أن معركة التعليم جزء من معركة بناء السودان وأن السودان الذي نريده بعد الحرب لا يمكن أن يُبنى من دون مدرسة آمنة، ومعلم كريم، وطفل يجد مقعده في المدرسة، ومناهج تحرر العقل من الكراهية والاستقطاب بدل أن تعيد إنتاجهما.




