السودان .. خرافة “مسار التراضي” وإشاعة تجار التقسيم

السودان .. خرافة “مسار التراضي” وإشاعة تجار التقسيم
بقلم:المهندس/صديق اندر Siddig Ander
ليست المرة الأولى التي تطفو فيها على سطح الأزمة السودانية خرافة “الانفصال كحل”، وليست المرة الأولى التي يُستدعى فيها البيت الأبيض والرياض والقاهرة كشماعة لتسويق وهم جديد باسم “التسريبات المؤكدة”. ما تم تداوله مؤخراً تحت عنوان “مسار التراضي لتقرير المصير وضوء أخضر أمريكي بغطاء سعودي مصري” ليس تسريباً، بل هو تلفيق فطير، وضعيف في المبنى والمعنى، ويكشف عن إفلاس سياسي وأخلاقي لمن يقف خلفه.
*أولاً: سقوط السند.. لا تسريب ولا مصدر*
إن أبسط قواعد العمل الصحفي والسياسي تقول إن لكل خبر مصدراً. فأين هو هذا المصدر؟
الادعاء بأن السيناتور بيرني ساندرز هو من سرب الخبر يكشف حجم الاستخفاف بعقل القارئ. فساندرز، وهو سيناتور مستقل معروف بتركيزه على قضايا الداخل الأمريكي والعدالة الاجتماعية، ليس عضواً في لجنة العلاقات الخارجية الفاعلة في ملف السودان، ولم يصدر عنه أي بيان أو تغريدة أو تصريح واحد حول “مسار التراضي”. لا في موقعه الرسمي، ولا في سجلات الكونغرس، ولا في وكالات الأنباء المحترمة.
ولو كان هناك فعلاً “انتقال إلى دائرة التنفيذ داخل أروقة البيت الأبيض” كما يزعم النص المفبرك، لرأينا انعكاسه حتماً في مواقف الخارجية الأمريكية، أو في إحاطات المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، أو في بيانات مجلس الأمن. وهذا لم يحدث. إن صيغة “تسريبات مؤكدة من جهات مطلعة” هي الحيلة القديمة الجديدة لترويج الأكاذيب عندما تعوزها الحجة والدليل.
*ثانياً: قراءة خاطئة للمصالح الاستراتيجية*
يزعم كاتب التسريب أن واشنطن تتبنى الانفصال كأداة لتأمين البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهذا طرح ينم عن جهل فاضح بأبجديات الأمن القومي الأمريكي.
إن الدرس الأقرب للذاكرة هو انفصال جنوب السودان عام 2011، الذي باركته واشنطن حينها. ماذا كانت النتيجة؟ دولة وليدة غارقة في حرب أهلية طاحنة منذ 2013، وملايين النازحين، وبيئة خصبة لعدم الاستقرار امتدت إلى كل جوارها. هل تريد واشنطن تكرار ذات الخطيئة في شمال وغرب وشرق السودان لتنتج ثلاث أو أربع دويلات فاشلة على أهم ممر ملاحي في العالم؟
المصلحة الأمريكية، والسعودية، والمصرية، وحتى الإقليمية، تكمن في سودان واحد موحد، مستقر، له جيش واحد ومؤسسات قوية قادرة على ضبط حدودها ومنع تهريب السلاح والبشر والإرهاب عبر البحر الأحمر واستفرار العملة الوطنية. فالتقسيم هو الفوضى بعينها، والفوضى هي التهديد الأكبر لأمن البحر الأحمر، وليس العكس.
كما أن الزعم بدعم سعودي مصري للانفصال يخالف كل الحقائق المعلنة. فالسعودية هي الراعي الأساسي لمنبر جدة، وجوهر منبر جدة هو الحفاظ على وحدة السودان وسيادته. ومصر، التي تعتبر أمن السودان جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، ظلت تاريخياً هي أكثر الدول رفضاً لفكرة تقسيم السودان، وتدرك أن تقسيمه يعني تفتيتاً لحوض النيل وتفجيراً لحدودها الجنوبية وتبديد لمصالحها الاقتصادية.
*ثالثاً: وحدة السودان.. ليست شعاراً بل وجود واقعى .إن أخطر ما في هذا التسريب المفبرك هو محاولته التحدث باسم “القطاعات الشعبية في شمال السودان” والزعم بأنها ترفض “العودة للسودان القديم” وأن الشرخ بلغ نقطة اللاعودة.
من فوض هؤلاء للحديث باسم الشمال؟ ومن أجرى هذا الاستفتاء المزعوم؟ السودان، شماله وغربه وشرقه ووسطه، ظل عبر تاريخه نسيجاً واحداً متداخلاً بالدم والنسب والمصاهرة والتجارة والدين. إن الحرب اللعينة الحالية، رغم قسوتها، لم تكن يوماً حرباً بين شمال وغرب ككيانين عرقيين، بل هي حرب على السلطة والموارد أشعلتها نخب سياسية وعسكرية، ودفع ثمنها المواطن البسيط في دارفور كما في الخرطوم والجزيرة.
إن الحديث عن استحالة التعايش هو حديث دعاة الكراهية وتجار الحروب. فالسودانيون الذين يتقاسمون اليوم لقمة النزوح في بورتسودان وعطبرة والقضارف، من كل القبائل والأقاليم، يقدمون الدليل الحي على أن الشعب أبقى وأوعى من مشاريع التقسيم.
ويتحتم علينا جميعا خوض معركة الوعي
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى منظرين للانفصال من خلف لوحات المفاتيح، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع يعيد تعريف العقد الاجتماعي على أساس المواطنة والعدالة(كيف نبنى وطنا خربناه بأيدينا)، لا على أساس المحاصصة الجغرافية والعرقية.
إن داعمي فكرة الانفصال، سواء كانوا في الداخل عن جهل أو حقد، أو في الخارج عن تآمر ومصلحة، هم الأعداء الحقيقيون لوحدة السودان. هم من يريدون تحويل أزمة سياسية قابلة للحل إلى كيانية ممزقة غير قابلة للحياة. ومحاربتهم لا تكون بالسلاح فقط، بل بالوعي، وبفضح أكاذيبهم، وبالتمسك الراسخ بحقيقة واحدة لا تقبل المساومة:
السودان سيبقى واحداً، أرضاً وشعباً، شاء من شاء وأبى من أبى. ومن أراد أن يبني مجداً سياسياً على أنقاض وطنه، فلن يجد إلا الخزي والعار في مزبلة التاريخ.
سبتمبر 2026م/ كمبالا




